بين موسكو وواشنطن وبكين، تريد الجزائر الاحتفاظ بعلاقاتها مع الجميع دون أن تتحول شراكتها مع طرف إلى سبب لخسارة الطرف الآخر. هذا التوجه أعاد الرئيس عبد المجيد تبون التأكيد عليه، معلنا أن بلاده حريصة على صداقتها مع القوى الثلاث، رغم ما يطبع العلاقات بينها من تنافس وتباين في المصالح والمواقف الدولية.
وأقر تبون بأن الجمع بين هذه العلاقات قد يظهر في صورة “معادلة مستحيلة”، غير أن الجزائر تبدو مصرة على مواصلة السير في هذا الاتجاه، عبر التمسك بعلاقاتها التاريخية والسياسية والعسكرية مع روسيا، وفي الوقت نفسه إبقاء قنواتها مع الولايات المتحدة مفتوحة، إلى جانب المحافظة على روابطها مع الصين، بما يسمح لها بتجنب حصر خياراتها الخارجية في محور دولي واحد.
واشنطن دون التفريط في موسكو
ويعكس هذا التوجه محاولة جزائرية للموازنة بين علاقات ذات طبيعة مختلفة؛ فموسكو تمثل شريكا تاريخيا للجزائر وترتبط بها بعلاقات ممتدة، خاصة في المجال العسكري، بينما تسعى الجزائر في المقابل إلى عدم إغلاق الباب أمام واشنطن والحفاظ على قنوات التعاون معها، في وقت تواصل فيه بكين حضورها ضمن شبكة العلاقات الخارجية التي تريد الجزائر حمايتها من تداعيات الاستقطاب الدولي.
غير أن المحافظة على هذه المسافة بين القوى الكبرى تأتي في مرحلة تتغير فيها التوازنات المحيطة بالجزائر بوتيرة متسارعة، وهو ما يجعل سياسة عدم خسارة أي شريك أكثر تعقيدا كلما اشتد التنافس بين واشنطن وموسكو وبكين أو انتقلت تداعياته إلى ملفات شمال إفريقيا.
الشراكة المغربية الأمريكية تدخل المعادلة
وتبرز العلاقات المغربية الأمريكية ضمن أبرز المتغيرات الإقليمية المحيطة بهذه الحسابات، في ظل تنامي الشراكة بين البلدين واستمرار واشنطن في دعم موقف المغرب بشأن قضية الصحراء، بما يمنح هذا الملف وزنا إضافيا في قراءة الجزائر لتحركات الولايات المتحدة داخل المنطقة وعلاقاتها مع دولها.
وهكذا تجد الدبلوماسية الجزائرية نفسها أمام محاولة للحفاظ على أكثر من خط في الوقت نفسه: عدم التفريط في روسيا باعتبارها شريكا تاريخيا، وعدم خسارة الولايات المتحدة في ظل وزنها السياسي والاستراتيجي، والإبقاء على الصين ضمن دائرة الشركاء. وهي معادلة يعترف تبون نفسه بصعوبتها، بينما تجعل التحولات الإقليمية والدولية اختبارها أكثر تعقيدا من مجرد إعلان الرغبة في البقاء على مسافة متوازنة من الجميع.


