حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

لا تتوقف حسابات فاطمة الزهراء المنصوري في تشكيل الحكومة المقبلة عند جمع عدد كاف من المقاعد لضمان الأغلبية البرلمانية، إذ تدخل تركيبة المعارضة نفسها ضمن المعادلة السياسية التي ستحدد هامش تحرك حكومتها خلال السنوات الخمس المقبلة. وفي هذا السياق، ترى مصادر متخصصة أن السيناريو القائم على إشراك أحزاب الكتلة الوطنية، خصوصا الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية، مقابل ترك الحركة الشعبية خارج الحكومة، قد يمنح المعارضة المقبلة فرصة أكبر للتقارب والتنسيق.

وتعتبر المصادر ذاتها أن دخول الاتحاد الاشتراكي إلى الحكومة وخروج الحركة الشعبية منها قد يقلب جزءا من التوازن الذي عرفته الولاية السابقة، إذ سيجد حزب محمد أوزين نفسه في المعارضة إلى جانب العدالة والتنمية وقوى أخرى، بما قد يفتح الباب أمام تنسيق برلماني أكثر قوة في الملفات الرقابية والسياسية. ولذلك، فإن تشكيل الأغلبية، بحسب هذا التصور، لا يتعلق فقط بمن سيدخل الحكومة، وإنما أيضا بمن ستتركه المنصوري خارجها ومن يمكن أن يتحالف معه لاحقا.

لماذا تريد المصادر أوزين داخل الحكومة؟

وتذهب المصادر إلى أن إشراك الحركة الشعبية يمكن أن يشكل بالنسبة إلى المنصوري ورقة لتفكيك إمكانية نشوء جبهة معارضة متقاربة، خاصة في ظل وجود نقاط يمكن أن تدفع “الحركة” و”العدالة والتنمية” إلى التنسيق داخل البرلمان رغم اختلاف مرجعياتهما. فالمعارضة المتفرقة التي تتنافس مكوناتها فيما بينها ستكون أقل قدرة على تحويل خلافاتها مع الحكومة إلى مبادرات رقابية مشتركة، مقارنة بمعارضة تستطيع الاتفاق حول ملفات محددة.

وتمنح المقتضيات الدستورية للمعارضة أدوات يمكن أن تتحول إلى مصدر ضغط سياسي على الحكومة، ومن بينها ملتمس الرقابة ولجان تقصي الحقائق، فضلا عن الأسئلة والمبادرات الرقابية داخل البرلمان. ولا يعني امتلاك النصاب اللازم للمبادرة بملتمس رقابة سقوط الحكومة تلقائيا، إذ يظل إسقاطها مرتبطا بتوفر الأغلبية المطلوبة عند التصويت، لكنه يمنح المعارضة قدرة أكبر على إحراج الأغلبية وفرض نقاش سياسي واسع حول أدائها.

تجربة الولاية السابقة تدخل الحسابات

وتستحضر المصادر تجربة الحكومة السابقة، عندما طرحت داخل المعارضة فكرة التوجه نحو ملتمس للرقابة، غير أن موازين القوى البرلمانية والتباينات بين مكوناتها لم تسمح بتحويل الخطوة إلى تهديد فعلي لاستمرار الحكومة. ومن هذه الزاوية، يصبح توزيع الأحزاب بين الأغلبية والمعارضة عنصرا أساسيا في استقرار الحكومة وليس مجرد نتيجة ثانوية لمفاوضات توزيع الحقائب.

وبحسب هذا التحليل، فإن ضم الاتحاد الاشتراكي إلى الأغلبية وترك الحركة الشعبية خارجها قد يسحب من الحكومة المقبلة حزبا كان موقعه السابق عاملا مؤثرا في حسابات المعارضة، مقابل دفع حزب آخر نحو صفوفها يمكن أن يجد مساحة للتنسيق مع “العدالة والتنمية”، خصوصا إذا اجتمعت الأحزاب المعارضة حول ملفات اجتماعية أو سياسية أو رقابية مشتركة.

المنصوري لا تختار أغلبيتها فقط

ولهذا ترى المصادر أن المنصوري مطالبة، خلال الجولة الحاسمة من المشاورات، بالنظر إلى الخريطة البرلمانية من جهتين: أغلبية قادرة على تأمين الاستقرار والتصويت على القوانين، ومعارضة لا تتحول مكوناتها المختلفة إلى كتلة سياسية متماسكة تستطيع محاصرة الحكومة رقابيا وتحويل كل ملف مثير للجدل إلى مواجهة برلمانية مفتوحة.

ومن هنا يبرز، وفق المصادر نفسها، سيناريو إشراك الحركة الشعبية في الحكومة مقابل بقاء الاتحاد الاشتراكي خارجها باعتباره خيارا قد يغير هندسة المعارضة ويحد من فرص تشكل محور قوي داخلها. فوجود “الحركة” إلى جانب “البام” داخل الأغلبية سيبعدها عن إمكانية بناء تقارب برلماني مع “العدالة والتنمية”، بينما قد يؤدي بقاء الاتحاد الاشتراكي في المعارضة إلى استمرار تعدد مراكز القرار والمواقف داخلها.

أغلبية مريحة أم معارضة مريحة؟

ويبقى القرار النهائي مرتبطا بالمشاورات التي تقودها المنصوري ومدى تقارب الأحزاب في البرامج وشروط المشاركة، لكن الحساب العددي وحده لن يكون كافيا لتحديد التحالف الأكثر راحة. فقد تستطيع رئيسة الحكومة المكلفة بناء أغلبية واسعة عدديا، لكنها قد تدفع في الجهة المقابلة نحو ولادة معارضة أكثر تماسكا وقدرة على التنسيق.

وبذلك تصبح معادلة المنصوري أكثر تعقيدا من توزيع الوزارات بين حلفائها المحتملين: فهي مطالبة ببناء أغلبية تستطيع الحكم، وفي الوقت نفسه تجنب صناعة جبهة معارضة متماسكة بقرارات التحالف نفسها. وبين أوزين ولشكر، قد لا يكون السؤال فقط من يستحق مقعدا داخل الحكومة، وإنما أيهما سيكون وجوده خارجها أكثر إزعاجا لها خلال السنوات الخمس المقبلة.