حجم الخط + -
3 دقائق للقراءة

دخلت المواجهة بين السعودية وجماعة الحوثي اليمنية مرحلة جديدة من التصعيد، عقب الهجوم الذي استهدف مطار الملك خالد الدولي بالرياض، السبت 10 أكتوبر 2026، مخلفا 12 قتيلا و309 مصابين، وفق الحصيلة الرسمية السعودية، في تطور وضع أمن المنشآت المدنية وحركة الطيران أمام اختبار صعب، وأعاد طرح احتمال توسع التدخل العسكري الأمريكي في المنطقة.

ولم تقتصر تداعيات الهجوم على الخسائر البشرية والأضرار التي لحقت بمبنيي الركاب الثالث والرابع، بل امتدت إلى تعطيل حركة الطيران وإثارة مخاوف أمنية واقتصادية، بعدما تحدث شهود عيان عن انفجارات وتصاعد للدخان وحالة من الذعر داخل المطار، بينما أعلنت السلطات وجود إصابات خطيرة بين الضحايا، الذين شملوا أربعة سعوديين وثمانية أجانب من جنسيات مختلفة.

الرياض أمام اختبار الرد العسكري

ووجه التحالف العسكري بقيادة السعودية اتهامات مباشرة إلى الحوثيين بالمسؤولية عن الهجوم، رغم عدم إعلان الجماعة تبنيه بصورة صريحة، فيما وصف المتحدث باسم التحالف، اللواء الركن تركي المالكي، استهداف المطار بأنه “جريمة حرب مكتملة الأركان”، مؤكدا أن القوات المشتركة سترد بحزم وفقا للقانون الدولي الإنساني.

وتكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة بالنظر إلى أن الهجوم لم يكن معزولا عن سلسلة اعتداءات سابقة طالت مطار الرياض خلال الأسبوع نفسه، إذ تبنى الحوثيون هجمات أخرى استهدفت المنشأة، في وقت باتت فيه المطارات السعودية ضمن المواقع التي تهدد الجماعة باستهدافها، رغم ما يترتب على ذلك من مخاطر جسيمة على المدنيين وحركة الطيران التجاري.

وزاد المشهد تعقيدا مع تسجيل انفجارات جديدة بالعاصمة الرياض خلال الأحد، وإعلان التحالف تعرض صالة المسافرين الرابعة لمقذوف تسبب في حريق، إلى جانب اعتراض صاروخ كروز في محيط المطار. كما تحدثت بيانات التحالف عن حوادث أخرى بالمنطقة الشرقية والخرج، ما يعكس اتساع نطاق التهديدات الأمنية التي تواجهها المملكة خلال التصعيد الحالي.

ترامب بين الدعم الاستخباراتي والتدخل المباشر

وفي واشنطن، فتح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الباب أمام احتمال المشاركة العسكرية المباشرة في العمليات السعودية ضد الحوثيين، بعدما أعلن أن إدارته تدرس هذا الخيار وستتخذ قرارا بشأنه بسرعة، دون أن يقدم التزاما نهائيا بإرسال القوات أو تنفيذ ضربات أمريكية جديدة.

ويأتي الموقف الأمريكي في ظل مقتل مواطن من الولايات المتحدة ضمن ضحايا هجوم المطار، فضلا عن التقارير التي تحدثت عن تقديم واشنطن دعما استخباراتيا للرياض، وهو ما يضع الإدارة الأمريكية أمام معادلة تجمع بين مساندة حليف إقليمي رئيسي وتقدير مخاطر الانخراط في مواجهة عسكرية جديدة قد تزيد تعقيد الصراع القائم مع إيران.

وكانت الولايات المتحدة قد نفذت خلال سنة 2025 حملة عسكرية ضد الحوثيين انتهت باتفاق لوقف الضربات المتبادلة، غير أن الاتفاق لم يعالج جذور النزاع اليمني ولا المواجهة بين الجماعة والسعودية، وهو ما يفسر استمرار قابلية التصعيد للعودة كلما تجددت العمليات العسكرية على الأرض.

باب المندب يتحول إلى جبهة استراتيجية

وبالتوازي مع الهجمات التي تستهدف الأراضي السعودية، تشهد مناطق الساحل الغربي لليمن مواجهات عسكرية بين الحوثيين والقوات الموالية للحكومة المعترف بها دوليا، خصوصا بالقرب من مضيق باب المندب، الذي يمثل أحد أهم الممرات البحرية للتجارة العالمية ونقل الطاقة.

وتعود إحدى محطات التصعيد الأخيرة إلى يوليوز الماضي، عندما تعرض مطار صنعاء لهجوم أعلنت القوات الحكومية اليمنية مسؤوليتها عنه، وقالت إنه استهدف منع طائرة إيرانية من الهبوط، بينما اتهم الحوثيون السعودية بالوقوف خلف العملية، قبل أن تعلن الجماعة إجراءات تهدد الملاحة السعودية في البحر الأحمر.

وخلال شتنبر، تحدثت تقارير عن تقدم الحوثيين في مناطق بالساحل الغربي، قبل أن تطلق القوات الموالية للحكومة عملية مضادة مطلع أكتوبر، بالتزامن مع غارات سعودية على مواقع الجماعة. وبينما أعلنت مصادر حكومية تحقيق تقدم قرب باب المندب، أكد القيادي الحوثي حزام الأسد استمرار سيطرة جماعته على جزيرة ميون ومواقع أخرى، في ظل صعوبة التحقق المستقل من الروايات المتعارضة.

وتتجاوز أهمية هذه المعارك حدود النزاع اليمني، إذ إن أي تهديد للملاحة في باب المندب قد ينعكس على حركة السفن التجارية وصادرات النفط، خصوصا مع الاضطرابات التي يشهدها مضيق هرمز، ما يزيد من حساسية الممرات البحرية بالنسبة إلى السعودية وشركائها الاقتصاديين.

خسائر الطيران وضغوط على صورة الاستقرار

وانعكس الهجوم بصورة مباشرة على حركة الطيران في الرياض، حيث استمر تعليق الجزء الأكبر من الرحلات خلال الأحد، وسط تقارير عن إلغاء نحو 85 في المائة من الرحلات المبرمجة، فضلا عن اعتماد التعليم عن بعد في العاصمة لمدة أسبوع، وانتقال عدد من المؤسسات والشركات إلى العمل عن بعد.

وجاءت هذه الاضطرابات بالتزامن مع استضافة الرياض مؤتمر البترول العالمي الخامس والعشرين، الذي يستمر إلى 15 أكتوبر الجاري بمشاركة مسؤولين من شركات طاقة دولية، من بينها “بي بي” و”شل”، ما أضفى على الهجوم أبعادا اقتصادية تتعلق بحركة الوفود الدولية واستمرارية الأنشطة الكبرى.

تصعيد مفتوح على احتمالات متعددة

ويضع استمرار الهجمات السعودية الحوثية المنطقة أمام احتمالات متباينة، تبدأ برد عسكري سعودي أوسع، وقد تصل إلى مشاركة أمريكية مباشرة إذا اتخذت واشنطن قرارا بذلك، في مقابل احتمال الدفع نحو تفاهمات سياسية وإقليمية تحد من التصعيد.

وفي هذا السياق، يرى الباحث غريغوري غاوس أن إنهاء المواجهة الأمريكية الإيرانية قد يساعد على وقف هجمات الحوثيين ضمن اتفاق أوسع، بينما يعتبر الباحث فارع المسلمي أن استمرار العمليات يضاعف الضغوط السياسية والعسكرية على ترامب، ويجعل الملف اليمني جزءا متزايد الأهمية من حسابات الصراع الإقليمي.

وبين تهديدات الحوثيين بالاستمرار في استهداف المطارات السعودية وتوعد الرياض بالرد الحازم، تبقى المخاوف الأساسية مرتبطة بحماية المدنيين ومنع توسع العمليات العسكرية، خصوصا مع تزايد ارتباط أمن السعودية واستقرار حركة الطيران والملاحة البحرية بمسار الحرب الإقليمية الأوسع.