حجم الخط + -
4 دقائق للقراءة

يقول المثل الشعبي: “يموت الزمّار وأصابعه تلعب”. وهو يضرب فيمن يعجز عن التخلي عن عادة رسخت فيه مهما تبدّلت الظروف من حوله. نستحضره ونحن نتابع الجدل الذي أثارته مداخلة النائب البرلماني عمر محمود بنجلون، باسم مجموعة تحالف اليسار، خلال مناقشة البرنامج الحكومي بمجلس النواب.

لقد استحضر النائب الاعتمادات المالية المخصصة لتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، ثم اختزل المشترك اللغوي الرسمي للمغاربة في عبارة واحدة “لغتنا الرسمية، ألا وهي اللغة العربية”. بما يمكن أن يفهم أن تلك الاعتمادات غير ذات أولوية.

نفى بنجلون أن يكون قصد الإساءة إلى الهوية الأمازيغية، وقال في تدوينة له إن مداخلته انصبّت على ما رآه ضعفا في التواصل الرسمي لرئيسة الحكومة، من حيث إلقاء البرنامج بالعربية ومدى استيعاب مضامينه، واتهم جمعيات قال إنها مدعومة من الحزب الحاكم بتحريف كلامه. وأكد أن اليسار المغربي يستمد جزءا من مرجعيته من الحضارة الأمازيغية. ونقل عنه كذلك أنه شدد على أن الدفاع عن اللغتين الرسميتين للمملكة من مسؤولية الحكومة.

وهذا الدفاع، لو سلمنا به، لا ينهي المسألة، لسببين. الأول أن نقد الأداء اللغوي لمسؤول حكومي مشروع تماما، لكنه لا يحتاج إلى استدعاء ملف الاعتمادات الأمازيغية، ولا إلى حصر “الرسمية” في لغة واحدة. والثاني أن اللغة التي نتكلمها دون رقيب هي التي تفضح تصوراتنا الدفينة. والتحليل النفسي يعتبر أن “زلة اللسان” (إذا جاز وصف ما قيل بالزلة) تعبر عما كبت في اللاشعور ويتسلل عبر فلتة عابرة، فيقول عنا “ما لم نقصد قوله”، فالسؤال إذن ليس عما أراده النائب، بل عما كشفته العبارة: تصور ما زال يرى في العربية “اللغة الرسمية” بإطلاق، وفي الأمازيغية موضوعا لاحقا يناقش ثمنه.

لم يولد هذا التصور في قاعة البرلمان طبعا بل تمتد جذوره  إلى بعيد الاستقلال، حين  تشكلت سياسة لغوية ورثت عن جزء من الحركة الوطنية ربطا بين الوحدة الوطنية ووحدة اللسان، وجرى توظيف ذكرى ظهير 16 ماي لسنة 1930 لإسكات كل مطلب ثقافي أمازيغي بوصفه امتدادا لمشروع استعماري يروم التفتيت. فكان الثمن عقودا من الإقصاء المادي و الرمزي: لغة لا تدرس ولا تذاع، وأسماء كانت ترفض في سجلات الحالة المدنية وأشكال متنوعة من التضييق والتبخيس والعنف  والتنقيص.

وفي مواجهة ذلك، خاضت الحركة الأمازيغية مسارا نضاليا طويلا وعسيرا منذ أواسط الستينات وراكمت كما وكيفا إلى أن صار المطلب قضية رأي عام. ثم جاء خطاب أجدير في 17 أكتوبر 2001 بإحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، ثم دستور سنة 2011 الذي نص على رسمية الأمازيغية، فالقانون التنظيمي سنة 2019 المحدد لمراحل التنزيل، وقرار اعتماد رأس السنة الأمازيغية عطلة وطنية رسمية سنة 2023. وهذه الحصيلة، كما هو معلوم، ثمرة تضحيات حركة مدنية وإرادة دولة، وليست منة من أحد.

ليس من العدل في شيء أن ننظر إلى  اليسار ككتلة واحدة، ومن الظلم أن يحاكم بجريرة تصريح. ففي صفوفه من ساند المطلب الأمازيغي مبكرا، وفي الحركة الأمازيغية نفسها من خرج من رحم اليسار. غير أن هذا بالذات ما يجعل المفارقة أشد: كيف لتيار يرفع شعار المساواة والعدالة الاجتماعية والحقوق الثقافية أن يتسامح مع تراتبية بين لغتين رسميتين؟

يميز  الفلاسفة، ومنهم الفيلسوفة نانسي فريزر (الجيل الثالث من مدرسة فرانكفورت) بين عدالة “إعادة التوزيع” وعدالة “الاعتراف”، ولا تغني إحداهما عن الأخرى. فمن تدرس لغته في المدرسة ويخاطب بها في المحكمة والمستشفى ليس كمن يطلب منه أن يتخلى عنها ليقبل مواطنا كامل الأهلية. واليسار الذي يطالب بتوزيع عادل للثروة مطالب بالاتساق ذاته في توزيع الاعتراف. ونقول هذا بروح النقد الداخلي لا الخصومة، فالمنتظر من اليسار أن يكون في طليعة المدافعين عن هذا الحق، لا في موقع المناورة أو التبرير.

ينص الفصل الخامس من الدستور على أن العربية تظل اللغة الرسمية للدولة، وأن الأمازيغية أيضا لغة رسمية للدولة، باعتبارها رصيدا مشتركا لجميع المغاربة دون استثناء. ويضع التصدير “الرافد” الأمازيغي ضمن روافد الهوية الوطنية إلى جانب الرافد العربي الإسلامي والصحراوي الحساني وغيرها (نضعها بين مزدوجتين من باب التحفظ لأن الأمازيغية هي النهر الذي يستقبل جميع الروافد). وهذا النص يقطع الطريق على قراءتين: قراءة تجعل الأمازيغية “خصوصية محلية” لا تستحق ما تستحقه اللغة الرسمية، وقراءة تجعل “الرسمية” لفظا بلا أثر. فالرسمية التزام عملي بالتدريس والإدارة والقضاء والإعلام والتشوير، وهي ما فصله القانون التنظيمي. وبالتالي فإن الحديث عن “لغتنا الرسمية” بصيغة المفرد في مجلس يمثل الأمة ليس مما يغض الطرف عنه بتاتا.

لقد أعلنت رئيسة الحكومة في 19 أكتوبر 2026، عند عرض البرنامج الحكومي، إحداث صندوق خاص بملياري درهم لتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، ولجنة وزارية دائمة لدى رئاسة الحكومة لتتبع إدماجها في التعليم والإدارة والقضاء والإعلام والتشوير العمومي، مع نشر مؤشرات التغطية في تقرير سنوي. وللإنصاف، فهذه خطوة تستحق التنويه من حيث المبدأ، لأنها تدخل منطق الأرقام والمحاسبة إلى ورش طال تأجيله. غير أن القراءة الهادئة تفرض ثلاث ملاحظات. أولا، إن المبلغ إعلان لم يتحول بعد إلى اعتمادات منفذة، وهو موزع على ولاية من خمس سنوات (2026–2031)، أي نحو أربعمئة مليون درهم في السنة في المتوسط. ثانيا، إن هذا الإعلان يأتي بعد ثلاث حكومات متعاقبة منذ دستور 2011، ظل التنزيل خلالها بطيئا حتى إن القانون التنظيمي نفسه لم يصدر إلا بعد ثماني سنوات من الدستور. وثالثا، إن من يعد هذه الاعتمادات في خانة ما ليس أولوية يتجاهل أن لكل حق كلفة: كتب مدرسية، وتكوين مدرسين، ومترجمين، وتشويرا، وبرمجة إعلامية… وكلفة الإنصاف مهما بلغت أقل من كلفة التهميش التي دفعها الوطن عقودا.

لا أحد يطلب من الأمازيغية أن تحل محل العربية، ولا تعارض بين الحرص على سلامة العربية وبين رسمية الأمازيغية. المشكلة حين يقدم الدفاع عن لغة وكأنه دفاع ضد الأخرى. والفصل الخامس نفسه يلزم الدولة بحماية العربية وتطويرها كما يلزمها بتفعيل الأمازيغية. لكن الأمازيغية تحتاج في الواقع إلى تنزيل حقيقي وعاجل كما تحتاج أكثر من غيرها للحماية الشديدة.

لقد أظهر إحصاء 2024 نسبة 24.8 في المائة من الناطقين بالأمازيغية، وهو رقم طعنت فيه جمعيات وأحزاب، ودافعت عنه المندوبية السامية للتخطيط بكونه يقيس اللغة المستعملة في الحياة اليومية. لكن الحقوق الثقافية لا تقاس بالنسب، ولو كان العدد معيارا لما جاز للدستور أصلا أن يعلن الرسمية. ثم إن تراجع الأمازيغية حين تغيب عن المدرسة والإدارة نتيجة منتظرة، وهو ما يجعل أولوية حمايتها أمرا بديهيا ومسألة لا تقبل المزايدة.

ومن المؤسف أن يلاحظ المرء أن النقاش العمومي يستنفر عند الأستاذ عمر و”أسرته الأيديولوجية” عندما يتعلق الأمر بالأمازيغية ما لا يستنفره لمسألة الحضور الفعلي للفرنسية في الإدارة والاقتصاد والتعليم، وهو حضور لا سند له في الدستور. بل يغذي الأستاذ هذه الهيمنة في تواصله داخل الفضاء العام ومداخلاته في الندوات والإعلام حتى عندما لا تدعو الضرورة لذلك. ولا غرابة في أمر كهذا مادام أن عددا كبيرا من النخب السياسية المدافعة بشراسة على التعريب العمومي، سواء من اليمين أواليسار، تحرص حرصا شديدا على توجيه أبنائها للتعليم والتكوين الأكاديمي الفرنسي بإعتباره من شروط الوجاهة والحظوة الإجتماعية والتميز.

بقلم: عمر باولعيد (رجل تعليم)