حجم الخط + -
5 دقائق للقراءة

لم تنته جلسة مجلس الأمن الدولي، المنعقدة اليوم الجمعة 30 أكتوبر 2026، بالنتيجة التي أرادتها موسكو عندما استخدمت حق النقض لإسقاط مشروع القرار الأمريكي بشأن الصحراء المغربية. فبينما سعت روسيا إلى تعطيل مقاربة جديدة تجعل الحكم الذاتي المغربي أساسا للمفاوضات، وجدت نفسها أمام تطور غير مسبوق، بعدما فشل المجلس في تمديد مهمة بعثة “المينورسو”، لتدخل القضية مرحلة جديدة أعاد بلاغ الديوان الملكي رسم معالمها السياسية والدبلوماسية.

وجاء الرد المغربي من أعلى مستوى في الدولة، عبر بلاغ للديوان الملكي اعتبر عدم تمديد ولاية البعثة الأممية تطورا مهما وخطوة ذات دلالة كبرى نحو الطي النهائي لملف الصحراء داخل أروقة الأمم المتحدة، في موقف يعكس انتقال الرباط من الاكتفاء بالدفاع عن مكتسباتها الدبلوماسية إلى طرح تصور واضح لإنهاء مرحلة طويلة من تدبير النزاع.

ولم يكن هذا الموقف معزولا عن التحولات التي عرفتها القضية خلال السنوات الأخيرة، بل جاء في سياق دينامية دبلوماسية يقودها الملك محمد السادس، تقوم على توسيع الاعترافات والمواقف الداعمة لمبادرة الحكم الذاتي، وترسيخ الحضور المؤسساتي والاقتصادي للمغرب في أقاليمه الجنوبية.

موسكو تعطل المشروع الأمريكي دون إنقاذ المقاربة القديمة

وشهد مجلس الأمن مواجهة دبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا، بعدما استخدمت موسكو حق النقض ضد مشروع قرار أمريكي حصل على تأييد 11 عضوا، وكان يتجه نحو إعادة تحديد المرجعية السياسية للمفاوضات، انطلاقا من مبادرة الحكم الذاتي المغربية، مع مراجعة اسم بعثة “المينورسو” وطبيعة مهامها وانتشارها.

وفي المقابل، قدمت روسيا مشروعا بديلا يدعو إلى تمديد مهمة البعثة سنة إضافية، إلى غاية 31 أكتوبر 2027، مع الحفاظ على تسميتها وتفويضها السابق، غير أن هذا المقترح فشل بدوره في الحصول على الدعم اللازم لاعتماده، بعدما حصد ثلاثة أصوات مؤيدة فقط.

وهكذا، انتهت المواجهة داخل مجلس الأمن دون اعتماد أي من المشروعين، لتبقى مهمة البعثة دون تمديد جديد قبل انتهاء ولايتها في 31 أكتوبر، في نتيجة أظهرت حدود قدرة القوى الكبرى على فرض تصوراتها المنفردة بشأن مستقبل النزاع.

ومن زاوية المصالح المغربية، فإن أهمية هذه النتيجة لا تكمن في إسقاط المشروع الأمريكي، الذي حمل مضامين داعمة لمبادرة الحكم الذاتي، وإنما في أن الاعتراض الروسي لم ينجح في إعادة تثبيت الإطار القديم للبعثة، ولم يؤد إلى اعتماد التمديد التقني الذي دافعت عنه موسكو.

بلاغ الديوان الملكي يعلن نهاية مرحلة استمرت 35 سنة

وحمل بلاغ الديوان الملكي رسالة سياسية واضحة بشأن مستقبل الوجود الأممي في الأقاليم الجنوبية، بعدما اعتبر أن عدم تمديد مهمة “المينورسو” يعني ضرورة إنهاء وجودها خلال الأيام المقبلة، بما يشمل أفرادها ومركباتها ومعداتها ورموزها.

وأكد البلاغ أن صفحة استمرت 35 سنة قد طويت، معتبرا أن البعثة ارتبطت بسياق تاريخي تجاوزته التطورات، وشكلت طوال عقود إحدى أدوات تدويل النزاع الإقليمي بشأن الصحراء المغربية.

وتكشف هذه القراءة عن تحول في طبيعة الموقف المغربي، الذي لم يعد يقتصر على المطالبة بتعديل مهمة البعثة أو مراجعة أدوارها، بل أصبح يطرح إنهاء وجودها باعتباره نتيجة لعدم تجديد تفويضها، وما يترتب على ذلك من إعادة النظر في مستقبل معالجة القضية داخل المنظمة الأممية.

وذهب البلاغ أبعد من ذلك، إذ اعتبر أن عدم التمديد ينبغي أن يفضي إلى إنهاء إحالة ملف الصحراء على مجلس الأمن وسحبه من جدول أعماله، بما يشمل وقف الاجتماعات الدورية والتقارير المرتبطة بالقضية وإحاطات المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة.

غير أن هذه المطالب تظل مواقف رسمية مغربية بشأن النتائج التي ينبغي استخلاصها من عدم التمديد، ولا تعني أن مجلس الأمن اتخذ بالفعل قرارا مستقلا بشطب القضية من جدول أعماله.

الفيتو لا يلغي الدعم الدولي للحكم الذاتي

وإذا كان الفيتو الروسي قد حال دون اعتماد المشروع الأمريكي، فإنه لم يلغ التحول الذي عرفته المواقف الدولية تجاه مبادرة الحكم الذاتي المغربية، ولا الدعم الذي عبرت عنه دول مؤثرة داخل مجلس الأمن وخارجه.

فقد جددت بريطانيا، عقب التصويت، موقفها الداعم للمبادرة المغربية لسنة 2007، باعتبارها أساسا ذا مصداقية وقابلية للتطبيق وواقعية من أجل التوصل إلى تسوية دائمة، كما عبرت عن خيبة أملها إزاء الاعتراض الروسي، معتبرة أنه قد يعرقل التقدم في المسار السياسي.

وتكتسب هذه المواقف أهميتها بالنظر إلى أن الخلاف داخل المجلس لم يعد يدور فقط حول التمديد السنوي لبعثة أممية، وإنما حول طبيعة الحل السياسي الذي يمكن أن ينهي النزاع، والمرجعية التي ينبغي أن تستند إليها المفاوضات المقبلة.

وفي هذا السياق، أبرز بلاغ الديوان الملكي أن أكثر من ثلثي أعضاء الأمم المتحدة، بمن فيهم أعضاء دائمون في مجلس الأمن وقوى دولية مؤثرة، يؤيدون الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتباره الإطار الوحيد لتسوية النزاع الإقليمي.

ويمثل هذا المعطى، وفق الموقف الرسمي المغربي، ثمرة مسار دبلوماسي طويل عملت خلاله الرباط على تحويل مبادرة الحكم الذاتي من مقترح مطروح للنقاش إلى مرجعية تحظى بتأييد دولي واسع، مع استمرار اختلاف الصيغ القانونية والسياسية التي تعبر بها الدول عن مواقفها.

من إدارة النزاع إلى تثبيت المكتسبات

ولا يمكن فصل التطورات الأخيرة عن المسار الذي سلكه المغرب خلال السنوات الماضية، سواء على مستوى الدبلوماسية أو التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الأقاليم الجنوبية.

فبينما ظلت المفاوضات الأممية تواجه صعوبات متكررة، واصلت المملكة تنفيذ مشاريع كبرى في البنيات التحتية والموانئ والطرق والخدمات والاستثمارات، ضمن مقاربة تجعل التنمية جزءا من استراتيجيتها لتعزيز اندماج الأقاليم الجنوبية واستقرارها.

وفي الوقت نفسه، حافظ المغرب على مبادرة الحكم الذاتي، المقدمة سنة 2007، باعتبارها مقترحه السياسي لإنهاء النزاع، من خلال منح سكان الأقاليم الجنوبية صلاحيات لتدبير شؤونهم المحلية بواسطة مؤسسات منتخبة، في إطار السيادة المغربية.

ويعكس هذا التوجه اختلافا جوهريا بين الرهان على استمرار آليات تدبير النزاع والرهان المغربي على تسوية سياسية تستند إلى الحكم الذاتي، بما يفسر تمسك الرباط بموقفها رغم الخلافات التي تظهر بين القوى الكبرى داخل مجلس الأمن.

“عيد الوحدة” عنوان لمرحلة سياسية جديدة

واكتسب بلاغ الديوان الملكي بعدا إضافيا من خلال ربط عدم تمديد مهمة “المينورسو” بتخليد “عيد الوحدة”، الذي أقره الملك محمد السادس لتجسيد التحول في التعاطي مع قضية الصحراء.

فهذا الربط يمنح التطور الأممي دلالة تتجاوز الجانب الإجرائي، ويضعه ضمن رؤية سياسية تعتبر أن القضية دخلت مرحلة جديدة، تقوم على الانتقال من تدبير النزاع إلى ترسيخ المكتسبات الدبلوماسية والسيادية.

وفي المقابل، أكد البلاغ أن المغرب، رغم ارتياحه لعدم تمديد المهمة الأممية، يظل متمسكا بوقف إطلاق النار، مع الاحترام الكامل لوحدته الترابية وسلامة أراضيه وأمنه الوطني وطمأنينة مواطنيه.

كما شدد على استمرار التحركات الدبلوماسية التي يقودها الملك محمد السادس على المستويين الثنائي والإقليمي، بما يؤكد أن الرباط تنظر إلى التطورات الأخيرة باعتبارها محطة ضمن مسار متواصل، وليس نهاية للتحرك السياسي والدبلوماسي.

السيادة المغربية خارج حسابات الفيتو

وأبرزت جلسة مجلس الأمن أن الخلافات بين القوى الكبرى قادرة على تعطيل مشاريع القرارات، لكنها لا تحسم بمفردها مسألة السيادة، ولا تلغي المبادرات السياسية التي تحظى بدعم دولي متنام.

وبين الفيتو الروسي وفشل المشروع البديل الذي قدمته موسكو، خرج المغرب بموقف رسمي يعتبر عدم تمديد مهمة “المينورسو” نهاية مرحلة أممية طويلة، وبداية انتقال نحو مقاربة جديدة للقضية، في ظل استمرار تمسكه بمبادرة الحكم الذاتي تحت سيادته.

وإذا كانت الترتيبات القانونية والمؤسساتية المرتبطة بمستقبل الملف داخل الأمم المتحدة ستظل رهينة الإجراءات الأممية المختصة، فإن الرسالة السياسية التي حملها بلاغ الديوان الملكي جاءت واضحة، المغرب متمسك بوحدته الترابية، ويرى أن التحولات الدبلوماسية المتراكمة تفرض تجاوز الآليات القديمة التي لم تنجح في إنهاء النزاع.

وهكذا، لم يؤد الاعتراض الروسي إلى إعادة تثبيت الوضع السابق كما أرادته موسكو، بل انتهت جلسة مجلس الأمن دون تمديد مهمة البعثة، فيما أعلنت الرباط موقفا جديدا من مستقبل حضورها الأممي. وبين حسابات القوى الكبرى واستمرار الدعم الدولي للحكم الذاتي، يتمسك المغرب بمساره الدبلوماسي باعتباره الأساس الذي يبني عليه رؤيته لتسوية قضية الصحراء.