حجم الخط + -
3 دقائق للقراءة

تحولت جلسة مجلس الأمن الدولي بشأن الصحراء، مساء الجمعة 30 أكتوبر 2026، إلى سجال سياسي ودبلوماسي بين المغرب والجزائر، بعدما خرج السفير المغربي لدى الأمم المتحدة، عمر هلال، عن صمته للرد على مداخلة نظيره الجزائري عمار بن جامع، موجها انتقادات مباشرة إلى موقف الجزائر من النزاع، ومتهما سلطاتها بمحاولة التنصل من مسؤولياتها السياسية والإنسانية رغم انخراطها في الجهود الدبلوماسية المعارضة للمقاربة المغربية.

وجاءت المواجهة في أعقاب تعثر اعتماد مشروع القرار الأمريكي الذي حظي بتأييد 11 عضوا قبل أن تستخدم روسيا حق النقض ضده، وفشل مشروع روسي مضاد، ما جعل مستقبل بعثة المينورسو موضع خلاف قبل انتهاء ولايتها في 31 أكتوبر.

من يدعي الحياد ومن يتحمل المسؤولية؟

واختار عمر هلال أن يبدأ رده بالتعبير عن امتنانه الساخر لمداخلة السفير الجزائري، بعدما اعتبر أن حضوره ومشاركته في النقاش يتيحان إظهار حجم انخراط الجزائر في النزاع، رغم تقديمها نفسها باعتبارها طرفا غير معني مباشرة به.

وتساءل الدبلوماسي المغربي عن الصفة التي تخول للجزائر توجيه انتقادات إلى مجلس الأمن والولايات المتحدة والدول المؤيدة للمشروع الأمريكي، معتبرا أن موقفها لا ينسجم مع خطاب الحياد الذي تتبناه في المحافل الدولية.

وكان عمار بن جامع قد جدد التأكيد على تمسك بلاده بمبدأ تقرير المصير، منتقدا المقاربة التي تسعى إلى حصر المفاوضات في الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، باعتبار أن التسوية النهائية ينبغي، وفق الموقف الجزائري، ألا تكون محددة مسبقا.

وفي المقابل، رأى هلال أن رفض المبادرات التي لا تتوافق مع الموقف الجزائري، إلى جانب التحركات الدبلوماسية المرتبطة بالملف، يجعل من الضروري مناقشة دور الجزائر بوصفها فاعلا سياسيا في النزاع، لا مجرد دولة تتابع تطوراته من الخارج.

تندوف.. الجانب الإنساني يتحول إلى مواجهة سياسية

ولم يحصر السفير المغربي انتقاداته في المواقف السياسية، بل انتقل إلى ملف مخيمات تندوف، متحدثا عن مسؤولية الجزائر، بصفتها الدولة المضيفة، عن حماية السكان وضمان حقوقهم الأساسية.

واتهم هلال السلطات الجزائرية بعرقلة إحصاء سكان المخيمات وتسجيلهم، معتبرا أن استمرار هذا الوضع يصعب تحديد الأعداد الحقيقية للمستفيدين من المساعدات الإنسانية، ويطرح تساؤلات بشأن آليات توزيعها.

كما وجه اتهامات إلى السلطات الجزائرية بالتنازل عن ممارسة بعض مسؤولياتها داخل المخيمات لصالح جبهة البوليساريو، وتحدث عن قيود على حرية التنقل ومزاعم تتعلق بإشراك أطفال في أنشطة عسكرية.

وتبقى هذه الوقائع، في حدود التصريحات المنقولة عن الجلسة، اتهامات صادرة عن الممثل المغربي، تستلزم التمييز بينها وبين النتائج التي قد تثبتها تقارير أو تحقيقات أممية مستقلة.

وطالب هلال بالسماح لسكان المخيمات الراغبين في المغادرة بالعودة إلى المغرب أو الانتقال إلى وجهات أخرى، معتبرا أن حقوقهم الإنسانية لا ينبغي أن تظل مرتبطة بموعد التوصل إلى تسوية سياسية للنزاع.

الفيتو الروسي يعمق الخلاف بشأن التسوية

واكتسبت مداخلة هلال أهمية إضافية بالنظر إلى السياق الذي شهدته جلسة مجلس الأمن، حيث اصطدمت المقاربة الأمريكية الداعمة لاعتماد الحكم الذاتي المغربي أساسا للمفاوضات بالموقف الروسي الذي اعترض على المشروع باستخدام حق النقض.

وكانت واشنطن قد اقترحت مراجعة تسمية المينورسو وإعادة هيكلتها، مع جعل الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية المرجعية الأساسية للمسار التفاوضي، في حين قدمت موسكو مشروعا بديلا يدعو إلى تمديد ولاية البعثة بصيغتها الحالية.

ودافع هلال عن الجهود التي بذلتها المملكة خلال المشاورات المتعلقة بالمشروع الأمريكي، مؤكدا أن المغرب أبدى مرونة وقدم تنازلات من أجل التوصل إلى نص يحظى بتوافق داخل المجلس، قبل أن يعبر عن أسفه لعدم اعتماده ويوجه الشكر إلى الولايات المتحدة والدول التي صوتت لصالحه.

مواجهة تكشف استمرار التباعد بين الرباط والجزائر

وأظهرت مداخلتا السفيرين المغربي والجزائري استمرار التباين بين البلدين بشأن الأسس التي ينبغي أن تقوم عليها التسوية السياسية، إذ يتمسك المغرب بمبادرة الحكم الذاتي تحت سيادته، بينما تؤكد الجزائر وجبهة البوليساريو ضرورة الحفاظ على مبدأ تقرير المصير وعدم حصر الخيارات التفاوضية في المقترح المغربي.

كما أبرزت المواجهة انتقال النقاش إلى مسؤولية الدولة المضيفة عن سكان مخيمات تندوف، وحقوقهم في التسجيل والحماية الإنسانية وحرية التنقل، وهي مسائل يرى المغرب أنها لا ينبغي أن تظل خارج النقاش السياسي بشأن مستقبل النزاع.

وبين الفيتو الروسي الذي عطل المشروع الأمريكي والسجال المغربي الجزائري داخل مجلس الأمن، انتهت جلسة الجمعة دون قرار جديد بشأن ولاية المينورسو، تاركة الملف مفتوحا على مشاورات أخرى تتداخل فيها الخلافات حول السيادة وتقرير المصير ومستقبل الوجود الأممي في المنطقة.