حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

رغم أنهم لا يحبون الشغل، يحتفل المغاربة، مثلهم مثل باقي الأمم، بعيده. وحتى لا نكون ظالمين مجحفين، فمنهم من يريد الاحتفال بعيد الشغل، لكنه لم يجد الشغل بعد، رغم أن شعره اشتعل شيبا بعد سنوات طويلة ضيعها في الاحتجاجات والاعتصامات والوقفات أمام البرلمان، وكان الأحرى به أن يغير التوجه بدل انتظار وظيف الدولة.

أجمل شيء في عيد الشغل، هو العطلة، خاصة حين تتزامن مع “الويكاند” ومع “الخلصة”. أما غير ذلك فليس مهما. حتى الشعارات عفا عليها الزمن بعد أن انتهت الحرب الباردة وسقط جدار برلين وانهار الاتحاد السوفياتي وماتت سلطة “البروليتاريا” وغيرها من المصطلحات المستوردة من أنظمة اجتماعية مختلفة تماما، لم تنجح في البلدان التي نشأت فيها أصلا، فبالأحرى عندنا.

عيد الشغل في المغرب مناسبة لترديد خطابات فارغة جوفاء، مكتوبة على مقاس الزعماء النقابيين، يشهرونها في وجه الحكومات و”الباطرونا” من أجل تحقيق مصالح شخصية. زعماء نقابيون يعاد انتخابهم منذ سنوات طويلة، ويراكمون الثروات منذ سنوات أطول، ويضحكون على ذقون من يصدقهم من العاملين الذين لم تتحرك أجورهم رغم “النضال”، وحتى إن تحركت، ف”قيد أنملة”. يستعملونهم في التهديد بالإضرابات، ويدبجون البلاغات، وتبقى الأحوال على ما هي عليه من ارتفاع في الأسعار وتراجع في القدرة الشرائية وتكريس للغبن والقهر و”الحكرة” وغياب للعدالة الاجتماعية، سنة بعد أخرى. وإن لم تصدقوا، قارنوا بين 1 ماي من كل سنة مضت، وستجدون الجواب المفحم.

عن أي احتفال بالشغل تتحدثون والموظفون يتركون مكاتبهم فارغة إلا من “الفيستة”، ليقضوا نهارهم في المقهى يمارسون هوايتهم المفضلة في “التبركيك” وتتبع مؤخرات المارات، وينتظرون الجمعة بفارغ الصبر كي يتأبطوا “صلاياتهم” التي يستعملونها مرة في الأسبوع فقط، يقصدون المسجد وبعده يتناولون قصعة الكسكس ثم يغطون في نوم عميق إلى بداية الأسبوع الموالي، تاركين مصالح المواطنين معلقة والعمل “مكركرا”.

المغاربة يحبون الكسل. إلا من رحم ربك. وإلا لما وجدنا هذا الكم الهائل من “اليوتوبرز” و”الإنستغراميين” و”التيكتوكيين” الذين أصبحوا اليوم قدوة للأجيال التي تحب الربح السريع بدون مجهود، بلا “قراية” بلا “دبلومات”. وحتى حين يشتغلون، يقومون بذلك “ونيتهم ناقصة”. يتفنون في إيجاد التسالي إلى أن تنقضي ساعات العمل، لا يجتهدون في وظائفهم التي “شحفوا” قبل أن يحصلوا عليها، لكنهم بمجرد ما “يتمكنون”، “يدلدلون” الأرجل و”يرخون” الأعصاب ويتخصصون في “سليخ المعزي” إلى أن يحصلوا على تقاعدهم “المريح”، ويربون أبناءهم على الثقافة نفسها.

المغربي ينظر إلى رب العمل مثل عدو. ودائما على أساس أنه “ولد الحرام كا ياكل رزق بنادم”. يفرح حين يخسر صفقة أو يصيبه مرض، رغم أن الخسارة تنعكس على الجميع. إنه يتعامل مع “الخدمة” وكأنها حمل ثقيل يرغب في أن يتخلص منه بأقل الخسائر الممكنة. قد يسرق وقد يرتشي ويغش، ناسيا أن ازدهار العمل من ازدهاره المهني والشخصي، بل من ازدهار مجتمعه ودولته ككل.

العيب ليس في “الباطرون”، العيب فيك أيها العامل “الحوفار”. إذا كانت لديك الموهبة والقوة والذكاء و”الصنعة”، فيمكنك أن تفرض نفسك وشروطك في أي مكان. إذا شعرت بظلم أو أن العمل الذي تقوم به لا تجازى عليه كما تحب وتتمنى، ابحث عن فرصة أخرى وعن أجرة أفضل. تزود بالخبرة والتجربة والتكوين الدائم، وستجد الأبواب تفتح أمامك على مصاريعها. وقد تتحول أنت نفسك إلى “باطرون” على نفسك وعلى الآخرين.

ثم حذار من القادم، فهو لا يبشر بخير. المستقبل للذكاء الاصطناعي و”الروبوتات” المبرمجة على العمل دون إضراب ولا احتجاج ولا هم يحزنون.  وكل عيد شغل وأنتم “محفحفون”.