حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

يعيش النظام الجزائري في حالة ارتباك متصاعدة، بالتزامن مع تنامي الدعوات الدولية المطالبة بتصنيف جبهة البوليساريو منظمة إرهابية، في خطوة قد تشكل منعطفا حاسما في مسار الصراع الإقليمي حول الصحراء المغربية، وتهدد بإعادة تشكيل خريطة التحالفات في منطقة شمال إفريقيا والساحل.

وجاءت هذه التطورات بعد مبادرات تشريعية وتحركات قوية من أعضاء في الكونغرس الأمريكي وبعض البرلمانات الأوروبية، دعوا فيها صراحة إلى إدراج البوليساريو ضمن قائمة التنظيمات الإرهابية، على خلفية تورطها المتزايد في أنشطة تهدد الأمن الإقليمي والدولي، وفق تقارير ومقالات مرجعية صادرة عن مؤسسات بحثية أمريكية ومراكز قرار، من بينها معهد هودسون.

تحالفات مشبوهة وارتباطات مزعجة

وتستند هذه المطالبات إلى حجج قانونية وأمنية قوية، من بينها ما كشفته الصحفية والباحثة زينب ربوع، التي أكدت في مقالها المنشور على موقع معهد هودسون، أن جبهة البوليساريو تستوفي المعايير الأمريكية لتصنف كمنظمة إرهابية، بسبب تورطها في أنشطة مسلحة، وتحالفات مع جماعات متطرفة في الساحل، مثل “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي”، إضافة إلى علاقات وثيقة مع حزب الله اللبناني وتورط بعض عناصرها في الحرب السورية، بحسب تقارير صحفية موثوقة من “واشنطن بوست” و”جون أفريك”.

مأزق الجزائر: إنقاذ البوليساريو أم إنقاذ النظام؟

وفي ظل هذه التحولات، يجد صانع القرار الجزائري نفسه محاصرا بين خيارين أحلاهما مر: التمسك بالبوليساريو كأداة للضغط الإقليمي ضد المغرب، أو التخلي عنها لتفادي موجة عقوبات دولية قد تصيب النظام الجزائري في مقتل.

ففي حال اعتماد تصنيف البوليساريو ككيان إرهابي، سيصبح على الجزائر تجميد دعمها المالي والعسكري المباشر، وطرد قياداته من الأراضي الجزائرية، وهو ما يعني تفكيكا فعليا للجبهة، وتراجعا عن أحد أبرز رهانات السياسة الخارجية الجزائرية منذ عقود.

سرقة المساعدات وفضائح تندوف

التهديدات لا تقف عند البعد السياسي، بل تمتد إلى الشق المالي والدبلوماسي. إذ تشير تقارير وحدة مكافحة الاحتيال التابعة للمفوضية الأوروبية (OLAF) إلى وجود اختلاسات ممنهجة للمساعدات الإنسانية الموجهة لمخيمات تندوف من طرف قادة البوليساريو بتواطؤ مع ضباط جزائريين، ما يُعزز فرضية الفساد الممنهج في إدارة الملف الإنساني من قبل الجزائر.

وهو ما دفع عديد المنظمات والهيئات الدولية إلى إعادة النظر في حجم وشكل المساعدات الموجهة لسكان المخيمات، ما يضاعف عزلة البوليساريو، ويزيد من الضغط على الجزائر باعتبارها الطرف المضيف والمسؤول قانونيا.

أزمة اقتصادية على أبواب الانفجار

وفي الجانب الاقتصادي، لا تبشر المؤشرات بالأفضل للجزائر. إذ يعاني اقتصادها من هشاشة بنيوية وتبعية مفرطة لعائدات المحروقات، ما يجعله عرضة لأي هزة خارجية، خصوصا في حال فرض عقوبات أمريكية أو أوروبية بسبب ارتباطات البوليساريو بالتنظيمات المتطرفة، مما سيضع النظام الجزائري في مواجهة سيناريو الانهيار أو الانعزال التام.

صيف ساخن في أروقة القرار الدولي

وفي ظل هذا السياق، تترقب العواصم المعنية تطورات ملف تصنيف البوليساريو، وسط إشارات تؤكد أن القضية دخلت مرحلة الحسم السياسي والدبلوماسي، ما يضع الجزائر أمام اختبار صعب، بين التخلي عن رهانها التاريخي أو مواجهة العواقب الجيوسياسية والاقتصادية التي قد تزعزع استقرارها الداخلي والإقليمي.

بات من الواضح أن المجتمع الدولي لم يعد يتسامح مع الكيانات التي تلعب على خيط الإرهاب والانفصال، وأن اللحظة الراهنة تتطلب خيارات استراتيجية تتجاوز منطق المناورة التقليدية نحو الانخراط الفعلي في مسار الحلول السلمية والدائمة.