حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

في كل مرة تضرب فيها كارثة طبيعية إحدى مناطق المغرب، يظهر صنفان من المستفيدين الذين لا تجمعهم المهنة ولا الوسيلة، لكن يوحدهم الهدف، الربح السريع من معاناة الناس، فالأول معروف منذ زمن، وهم تجار الأزمات الذين يرفعون الأسعار ويخزنون المواد ويبتزون المواطنين في لحظات ضعفهم. أما الثاني، فهو صنف جديد فرضه عصر المنصات الرقمية، تجار الأدسنس، الذين يحولون الكوارث إلى مادة للفرجة والربح عبر المشاهدات.

ما وقع خلال فيضانات القصر الكبير ومناطق من شمال المغرب كشف بوضوح هذا التشابه المقلق. فكما استغل بعض التجار حالة الخوف والارتباك لبيع المواد الأساسية بأثمنة مضاعفة، ظهر على المنصات الرقمية من استغل نفس الخوف، لكن بطريقة أخرى، فيديوهات صاخبة، عناوين مرعبة، وصوت نشاز يركز فقط على كل ما هو سلبي، دون أدنى حس مهني أو وطني.

من استغلال الجيوب إلى استغلال العقول

ويستهدف تاجر الأزمات التقليدي جيب المواطن، يرفع ثمن الشموع والمياه والمواد الغذائية، مستغلا حالة الطوارئ وانعدام البدائل. أما تاجر الأدسنس، فيستهدف عقل المواطن ومشاعره، فيغذي الخوف والهلع، ويقدم صورة سوداء بالكامل، لأنه يعلم أن الخوف يساوي مشاهدات أكثر، والمشاهدات تعني أرباحا أعلى.

الخطاب نفسه يتكرر في كل فيديو، “خوتي لمغاربة.. شوفو الكارثة.. شوفو الفوضى.. الدولة غائبة”. كلمات محسوبة بعناية لإثارة الانفعال، لا لنقل الحقيقة. يتم تضخيم الهفوات الصغيرة، وتجاهل المجهودات الكبيرة التي تبذل في الميدان من طرف مختلف الأجهزة.

ولا يكتفي تاجر الأدسنس بصناعة الخوف فقط، بل يحاول قدر الإمكان إدخال اسم سياسي أو وزير أو برلماني في كل فيديو أو بث مباشر، حتى وإن كان الموضوع لا علاقة له بهم. الهدف ليس مساءلة حقيقية أو نقدا مسؤولا، بل استدراج الأسماء إلى عناوين صاخبة، أملا في جذب الانتباه أو فتح باب “الكونترا” و”الأظرفة” التي تمر من تحت الطاولة.

انتقائية مقصودة تخدم الأرباح

في الميدان، تتحرك القوات المسلحة الملكية، الوقاية المدنية، الدرك الملكي، والسلطات المحلية، ليلا ونهارا، لإجلاء السكان وتأمين المناطق المتضررة. لكن هذه المشاهد لا تجد طريقها إلى كاميرات تجار الأدسنس، لأنها ببساطة لا تجلب نفس عدد المشاهدات.

فيديو يظهر فيه تدخل ناجح أو إنقاذ أسرة لا يحقق نفس الأرقام التي يحققها فيديو بعنوان صادم ومليء بالاتهامات والتهويل. لذلك يتم اختيار اللقطات الأكثر سوداوية، وتقديمها وكأنها الصورة الوحيدة على الأرض.

صحافة بلا مهنة ولا مسؤولية

الفرق بين الصحفي المهني وصانع المحتوى الباحث عن الأدسنس، هو المسؤولية. فالصحفي ينقل الوقائع، يضعها في سياقها، ويوازن بين السلبي والإيجابي، لأنه يعلم أن كلماته تؤثر في الرأي العام. أما تاجر الأدسنس، فلا يهمه سوى العائد المالي، حتى لو كان الثمن هو نشر الخوف أو ضرب ثقة المواطنين في مؤسساتهم.

والخطير في الأمر أن هؤلاء يقدمون أنفسهم على أنهم “صحافة بديلة”، بينما هم في الحقيقة مجرد منصات للفرجة، بلا ميثاق أخلاقي، ولا تدقيق للمعلومات، ولا احترام لخصوصية الضحايا.

حين تصبح الكارثة مشروعا تجاريا

النتيجة واحدة في الحالتين، المواطن هو الضحية. في السوق، يدفع أكثر من ثمنه الحقيقي لاقتناء حاجياته. وعلى المنصات، يدفع ثمن الخوف والقلق والتشويش الإعلامي.

ويستغل تاجر الأزمات الكارثة لرفع الأسعار، وتاجر الأدسنس يستغلها لرفع عدد المشاهدات. الأول يراكم الأرباح في محله، والثاني يراكمها خلف كاميرته وحاسوبه. كلاهما يستفيد من نفس الشيء، معاناة الناس.

المسؤولية اليوم.. أكثر من أي وقت مضى

وتكشف الأزمات معادن الرجال، لكنها تكشف أيضا وجوه الانتهازيين. وفي زمن الفيضانات والكوارث، تصبح الكلمة مسؤولية، والصورة أمانة، والمعلومة واجبا أخلاقيا قبل أن تكون مادة للربح.

لا فرق بين من يبيع قنينة ماء بثمن مضاعف في لحظة أزمة، ومن يبيع الخوف والتهويل في فيديو من أجل بضع دولارات إضافية. كلاهما تاجر، وكلاهما يستثمر في معاناة المغاربة، لكن بوسيلتين مختلفتين.

تجار الأزمات وتجار الأدسنس.. وجهان لعملة واحدة