بين القرى الغارقة في شمال المغرب والبلاغات الباردة في الرباط يتكرر سؤال بسيط ومزعج: أين الحكومة حين نحتاجها؟ ولماذا يبدو حضورها أقل من حجم الكارثة؟
ليست الفيضانات التي تضرب شمال المغرب حدثا استثنائيا، ولا مفاجأة مناخية خارجة عن التوقع. هي واقع يتكرر كل بضع سنوات، بنفس السيناريوهات تقريبا وبنفس النتائج المؤلمة: طرق مقطوعة وبيوت مغمورة ومدن وقرى معزولة ومواطنون يواجهون الخطر بوسائلهم المحدودة. الجديد في كل مرة ليس الكارثة، بل غياب الفعل الحكومي الحقيقي.
مع كل أزمة يتجدد الخطاب نفسه. إشادة بالمبادرات الملكية وبلاغات رسمية مقتضبة ووعود عامة لا يواكبها حضور ميداني ولا تواصل يومي مع المواطنين. وهي مبادرات لا يمكن إلا تقديرها من حيث رمزيتها وبعدها الإنساني، لكن تحويلها إلى واجهة دائمة لإخفاء تقصير الحكومة يطرح إشكالا سياسيا لا يمكن تجاهله.
لفهم عمق هذا الخلل، تكفي مقارنة بسيطة مع دول أخرى تعرف بدورها فيضانات وكوارث طبيعية. فمثلا في إسبانيا تتحول الفيضانات فور وقوعها إلى حدث سياسي مركزي، فرئيس الحكومة والوزراء المعنيون ينتقلون إلى المناطق المتضررة خلال ساعات ويعقدون اجتماعات ميدانية ويخاطبون السكان مباشرة ويضعون جداول زمنية واضحة للتدخل والإعلام يسأل والمعارضة تضغط والرأي العام يحاسب المسؤولين.
وكذلك في ألمانيا بعد فيضانات 2021، لم تختزل الكارثة في خطاب الظروف الاستثنائية وفتح نقاش وطني واسع حول أنظمة الإنذار المبكر والتخطيط العمراني ومسؤولية السلطات المحلية والفيدرالية، وهذا ما أدى ببعض المسؤولين الى دفع ثمن التقصير سياسيا، لأن الكارثة الطبيعية (أو قدر الله كما يسميها المغاربة) في الدول الديمقراطية، لا تعفي من المحاسبة.
لنعد الى بلدنا المغرب. فالصورة مغايرة تماما. فالحكومة تبدو وكأنها تدير الأزمة من مسافة آمنة، لا زيارات وزارية منتظمة للمناطق المنكوبة ولا خطاب مباشر يشرح للمواطنين ما يحدث ولا إحساس بأن هناك قيادة تنفيذية تتحمل المسؤولية الكاملة، فيظل المواطن يسمع عن التدخلات أكثر مما يراها، ويطالب بالصبر أكثر مما يمنح الثقة.
إن المشكلة هنا لا تتعلق بالإمكانيات فقط، بل بفهم دور الحكومة في لحظات الشدة. فالأزمات لا تدار بالبلاغات وحدها وبالنشرات الانذارية، بل بالحضور السياسي والرمزي، فوجود المسؤول في الميدان ليس مسرحية، فهو رسالة واضحة مفادها أن الدولة قريبة من مواطنيها، أما الغياب فهو رسالة معاكسة حتى لو لم تقصد.
وهنا يصبح السؤال مشروعا ومحرجا في آن واحد: إذا كانت حكومات دول أخرى ورغم تعقيداتها وأزماتها، تنزل إلى الميدان وتقبل بالمحاسبة، فلماذا تكتفي حكومتنا بدور المتفرج والمشيد بالمبادرات الملكية؟
ففيضانات الشمال كشفت مرة أخرى أن المشكلة ليست فقط في الأمطار. إنها في نموذج تدبير يرى في الأزمة قدرا لا سياسة، وفي المواطن متلقيا للصمت لا شريكا في الحل، وهي كشفت أيضا أن المقارنة مع الآخرين ليست جلدا للذات، إنها شرط أساسي للتقدم.
أغلب الكوارث الطبيعية قد لا يمكن منعها. ولكن الكوارث السياسية يمكن تفاديها عن طريق الحضور والتواصل والاعتراف بالمسؤولية. وإلى أن تدرك الحكومة ذلك، سيظل الشمال يغرق، وسيظل السؤال معلقا في كل موسم مطر: هل لدينا حكومة تدير الأزمات… أم حكومة إشادة تكتفي بمراقبتها من بعيد؟
بقلم هشام بنوشن (باحث في العلوم السياسية)


