أثارت تصريحات فاطمة الزهراء المنصوري، المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية للأمانة العامة لحزب الأصالة والمعاصرة، جدلا سياسيا بعد حديثها عن ما وصفته بـ”تمييع السياسة” في المغرب خلال السنوات الأخيرة، وهو توصيف اعتبره عدد من المتتبعين مفارقة لافتة بالنظر إلى الوضع التنظيمي الذي يعيشه الحزب نفسه، والذي يمر منذ مدة بمرحلة ارتباك داخلي وصراع غير معلن حول القيادة والتموقع السياسي.
المنصوري، التي تشغل أيضا منصب وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، أدلت بهذه التصريحات خلال لقاء مع مهنيي الصحة المنتمين إلى حزب “الجرار”، مساء السبت بالرباط، حيث اعتبرت أن السياسة فقدت في بعض جوانبها معناها المرتبط أساسا بخدمة المجتمع، مؤكدة في الوقت ذاته أن حزب الأصالة والمعاصرة يسعى إلى الفوز بالانتخابات المقبلة رغم أن هدفه لا يقتصر فقط على الاستحقاقات الانتخابية.
غير أن هذه التصريحات تطرح، في نظر مراقبين للشأن الحزبي، سؤالا أساسيا حول مدى قدرة الحزب نفسه على تقديم نموذج سياسي مختلف في ظل ما يشهده من تمخضات تنظيمية داخلية، خاصة بعد اعتماد صيغة القيادة الجماعية التي جاءت أصلا كحل مؤقت لتجاوز أزمة القيادة التي عاشها الحزب خلال السنوات الأخيرة.
قطاع الصحة بين الشعارات والانتظارات
وخلال اللقاء ذاته، أكدت المنصوري أن قطاع الصحة يحتل موقعا مركزيا ضمن اهتمامات حزب الأصالة والمعاصرة، معتبرة أن هذا المجال ليس مجرد انشغال ظرفي بل مطلب قائم بذاته. كما تساءلت عن طبيعة الإشكالات التي تعترض المنظومة الصحية في المغرب، وهل ترتبط أساسا بالإمكانيات المالية أم بالحكامة أم بالموارد البشرية، في ظل الطموح الكبير الذي يعبر عنه الإصلاح الصحي الجاري تنفيذه في المملكة.
وسجلت المسؤولة الحزبية أن هذا الطموح الإصلاحي يواجه مجموعة من التحديات والانشغالات التي تجعل المواطنين غير قادرين على لمس أثر السياسات العمومية المرتبطة بالقطاع الصحي، وهو ما يطرح، بحسب قولها، إشكالية استعادة الثقة في نظام صحي عادل ومنصف.
دعوة للنخب في ظل أزمة الوساطة الحزبية
وفي سياق حديثها عن دور النخب، دعت المنصوري مهنيي الصحة المنتمين للحزب إلى الانخراط بشكل أكبر في العمل السياسي والمساهمة في بناء رؤية جماعية قادرة على إقناع المواطنين، معتبرة أن الأحزاب السياسية لن تكون قوية إذا ظلت النخب خارج الحقل السياسي.
كما شددت على أن من السهل تحميل المنتخبين مسؤولية الاختلالات السياسية، لكن هذا التفكير – بحسب تعبيرها – قد يؤدي إلى استمرار العزوف السياسي، داعية إلى مشاركة أوسع للنخب في النقاش العمومي وفي الحياة الحزبية.
خطاب نقدي يواجه أزمة داخلية
وتثير هذه التصريحات نقاشا أوسع حول موقع حزب الأصالة والمعاصرة داخل المشهد الحزبي المغربي اليوم. فالحزب الذي تأسس سنة 2008 بشعار تحديث الحياة السياسية ومحاربة ما اعتبره آنذاك اختلالات في الممارسة الحزبية، يجد نفسه اليوم في وضعية معقدة تتسم بضعف المبادرة السياسية وتراجع تأثيره داخل النقاش العمومي مقارنة بمراحل سابقة.
ويرى عدد من المتابعين أن حديث قيادات الحزب عن “تمييع السياسة” قد يعكس في جزء منه محاولة لإعادة صياغة الخطاب السياسي للحزب قبيل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، غير أن هذا الخطاب يبقى معرضا لانتقادات إذا لم يرافقه إصلاح داخلي حقيقي يعيد للحزب وضوح هويته السياسية وقدرته على تأطير النخب والفاعلين الاجتماعيين.
فحزب الأصالة والمعاصرة، الذي يشارك اليوم في الحكومة إلى جانب أحزاب أخرى، يواجه تحديا مزدوجا يتمثل في الحفاظ على تماسكه التنظيمي من جهة، وإقناع الرأي العام بقدرته على تقديم بديل سياسي واضح من جهة ثانية، وهو تحد يزداد تعقيدا في ظل التحولات التي يعرفها المشهد الحزبي وتراجع ثقة جزء من المواطنين في الوساطة السياسية التقليدية.
وفي هذا السياق، تبدو تصريحات المنصوري حول “تمييع السياسة” أشبه بمرآة تعكس أزمة أعمق داخل حزب الجرار، حيث لا يكفي تشخيص الخلل في المشهد العام بقدر ما يظل السؤال مطروحا حول قدرة الأحزاب نفسها – ومن بينها حزب الأصالة والمعاصرة – على القيام بعملية مراجعة ذاتية حقيقية تعيد الاعتبار للعمل السياسي وتمنحه المصداقية التي ينتظرها المواطنون.


