حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

لم يعد ما يجري داخل إيران مجرد تباين عادي في تقدير المواقف بين مؤسسات الدولة، بل بات أقرب إلى صراع بنيوي على القرار والسيطرة داخل نظام يواجه في الوقت نفسه ضغط الحرب، واستنزاف الاقتصاد، وتزايد هشاشة الجبهة الداخلية. وما كان يدار سابقا في الظل، وبقدر كبير من الانضباط الأمني والسياسي، بدأ يتسرب إلى العلن على شكل مؤشرات متلاحقة توحي بأن التماسك الذي دأبت طهران على تسويقه لم يعد بالصلابة نفسها.

صراع يتجاوز الأشخاص إلى طبيعة السلطة

الخلاف المعلن بين الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان وقائد الحرس الثوري أحمد وحيدي لا يمكن قراءته في حدود نزاع شخصي أو اختلاف ظرفي في التقدير. المؤشرات توحي بأن الأمر يتعلق بصدام بين منطقين متعارضين في إدارة الدولة، منطق مدني يسعى إلى تجنب الانهيار الشامل عبر تقليص كلفة المواجهة، ومنطق عسكري-أمني يعتبر أن أي تراجع في هذا الظرف الاستثنائي سيكون بمثابة انهيار للردع وفتحا لباب الابتزاز الخارجي.

وهذا التناقض يعكس، في العمق، سؤالا أكبر، من يحكم إيران فعلا عندما تدخل الدولة منطقة الخطر؟ هل تبقى الحكومة واجهة تنفيذية محدودة الحركة، أم أن مركز القرار الحقيقي ينتقل بالكامل إلى المؤسسة العسكرية والأمنية؟

الحرس الثوري.. دولة داخل الدولة

وتكشف المعطيات المتداولة أن الحرس الثوري لا يتعامل مع الحرب باعتبارها مجرد معركة حدودية أو رد فعل ظرفي، بل بوصفها لحظة لإعادة فرض مركزية الدور العسكري في توجيه الدولة. هذا يعني أن أي دعوة إلى التهدئة أو إلى ضبط التصعيد تقرأ داخل هذا الجهاز كتهديد مباشر لعقيدته ونفوذه، لا كمجرد خيار سياسي بديل.

في المقابل، تبدو الرئاسة أكثر إدراكا لحجم الكلفة الاقتصادية والاجتماعية، ما يجعلها أقرب إلى مقاربة احترازية. لكن هذا الإدراك نفسه يضعها في موقع ضعف داخل نظام يمنح الأفضلية التقليدية لمنطق الأمن القومي على حساب الحسابات الاقتصادية.

التحذير الاقتصادي.. إنذار سياسي مقنع

وحين يصدر تحذير من رأس السلطة التنفيذية بشأن احتمال انهيار الاقتصاد خلال ثلاثة أو أربعة أسابيع في حال استمرار الحرب، فالأمر لا يقتصر على توصيف مالي أو تقني، بل يحمل رسالة سياسية مشفرة إلى مراكز النفوذ الأخرى. فالرئاسة هنا لا تتحدث فقط عن تضخم أو عجز أو اختناق مالي، بل تقول ضمنا إن خيار الحرس الثوري قد يقود الدولة إلى نقطة فقدان السيطرة.

في المقابل، رد المؤسسة العسكرية بتحميل الحكومة مسؤولية التدهور الاقتصادي ليس مجرد دفاع عن النفس، بل هو محاولة استباقية لتثبيت رواية بديلة، إذا انهار الداخل، فالمذنب ليس قرار التصعيد، بل تراكمات سوء التدبير المدني. وهذا بحد ذاته يكشف انتقال الصراع من الخلاف حول الحلول إلى معركة حول من سيتحمل مسؤولية الانهيار إذا وقع.

اختفاء الوسطاء داخل النظام

ومن أخطر المؤشرات في هذا المشهد غياب أو تحييد الشخصيات التي كانت تلعب تاريخيا دور “منظمي التوازن” بين الأجنحة المتصارعة. فحين يغيب لاعب من وزن علي لاريجاني، المعروف بقدرته على التنسيق بين الدوائر الأمنية والسياسية، فإن النظام لا يفقد مجرد مسؤول، بل يفقد قناة ضبط داخلية كانت تسمح بإدارة التناقضات من دون انفجارها.

الأخطر من ذلك أن الغموض الذي يلف مصير شخصيات أمنية أخرى يوحي بأن ما يحدث لا يقتصر على خلاف سياسي، بل قد يكون جزءا من إعادة فرز داخلية تجري في صلب المؤسسة الصلبة للدولة. وفي مثل هذه الأنظمة، حين تبدأ إعادة ترتيب المواقع داخل البنية الأمنية، فإن ذلك غالبا ما يعني أن مرحلة ما انتهت وأن أخرى أكثر خشونة بدأت.

من الخلاف المكتوم إلى الحرب النفسية الداخلية

والتحول الأبرز في المشهد الإيراني هو أن النزاع لم يعد محصورا داخل الغرف المغلقة، بل صار يجد طريقه إلى التسريبات والتصريحات والرسائل الإعلامية. وهذا تطور بالغ الدلالة، لأن الأنظمة المغلقة لا تسمح عادة بخروج مثل هذه الخلافات إلا في حالتين، إما تراجع قدرتها على ضبط مراكزها الداخلية، أو تعمد بعض الأجنحة تسريب الخلافات لاستخدام الإعلام كسلاح ضغط في معركة النفوذ.