لطالما كان ملف المرأة في المغرب ميزانا لقياس “حداثة” الحكومات ومدى قدرتها على تنزيل روح دستور 2011. وعند عقد مقارنة بين حكومة عبد الإله بنكيران (2011-2016) وحكومة عزيز أخنوش الحالية، نجد أننا أمام انتقال من مرحلة “التثبيت الرمزي” إلى مرحلة “التمكين الوظيفي”، وهو ما تعكسه الأرقام بوضوح في الجهازين التنفيذي والتشريعي.
بدأت حكومة عبد الإله بنكيران مسارها في عام 2012 بصدمة حقوقية، حيث لم تضم تشكيلتها الأولى سوى امرأة واحدة هي بسيمة الحقاوي، مما أثار انتقادات واسعة حول مدى جدية التحول الديمقراطي.
ورغم أن التعديل الحكومي اللاحق رفع العدد إلى ست نساء، إلا أن أغلب تلك الحقائب كانت بصفة “وزيرات منتدبات”، مما حصر الدور النسائي في هوامش القرار التنفيذي.
في الجهاز التنفيذي.. من “الوزيرة الواحدة” إلى الحقائب السيادية
في المقابل، قدمت حكومة عزيز أخنوش نموذجا مغايرا منذ انطلاقتها، بضمها لسبع وزيرات، ليس فقط من حيث العدد، بل من حيث الثقل السياسي والتقني. فلأول مرة، كسر الاحتكار الرجولي لوزارة الاقتصاد والمالية بإسنادها لنادية فتاح، إلى جانب تولي نساء لقطاعات إستراتيجية مثل إعداد التراب الوطني والسكنى، والسياحة، والانتقال الرقمي، مما نقل حضور المرأة من “قطاعات الرعاية” إلى “قطاعات التدبير المالي والسيادي”.
التمكين البرلماني: تصاعد لغة الأرقام على مستوى المؤسسة التشريعية
يكشف رصد التطور العددي عن قفزات نوعية محكومة بتطور القوانين الانتخابية. ففي الولاية التشريعية المرافقة لحكومة بنكيران (2011-2016)، بلغ عدد البرلمانيات في مجلس النواب 67 برلمانية. ومع استمرار النهج في الولاية التالية (حكومة العثماني)، ارتفع العدد إلى 81 برلمانية. لكن المحطة الأبرز سجلت في ظل الحكومة الحالية، حيث قفز عدد النساء في البرلمان ليصل إلى 96 برلمانية، بفضل اعتماد نظام “اللوائح الجهوية” الذي وسع قاعدة المشاركة، مما جعل نسبة التمثيلية النسائية تقترب من عتبة 24% من مجموع مقاعد مجلس النواب، وهي النسبة الأعلى في تاريخ الممارسة البرلمانية المغربية.
الفلسفة والبرامج: من الدعم الاجتماعي إلى الاستقلال المالي
اعتمدت فلسفة عبد الإله بنكيران في التمكين، على المقاربة “الاجتماعية الحافظة” والتي تسير بمنطق “القوامة”، تجلت في برامج مثل صندوق دعم الأرامل، وهو توجه ركز على حماية الفئات الهشة وتوفير شبكة أمان اجتماعي. أما في عهد أخنوش، فقد تحول الخطاب نحو “التمكين الاقتصادي” كمدخل أساسي للمساواة. فمن خلال برامج مثل “جسر” و”فرصة”، يتم الرهان على رفع نسبة نشاط النساء في سوق الشغل، انطلاقا من قناعة بأن الاستقلال المادي للمرأة هو الضمانة الحقيقية لممارستها لحقوقها السياسية والمدنية، وليس فقط حضورها العددي في المؤسسات.
بقلم: صفاء بولجداد (باحثة في السوسيولوجيا)


