كشفت صحيفة إلباييس عن مؤشرات تحول تدريجي في خطاب جبهة البوليساريو، يتمثل في إبداء انفتاح أكبر على مقترح الحكم الذاتي في الصحراء تحت السيادة المغربية، مقابل تراجع واضح في التلويح بخيار الكفاح المسلح، في سياق إقليمي ودولي يشهد تغيرات متسارعة في موازين القوى.
وأوضح التقرير، الذي أنجزته الصحيفة من داخل مخيمات تندوف، أن قيادة الجبهة أصبحت أكثر ميلا إلى مناقشة خيار الحكم الذاتي كأحد الحلول الممكنة، وهو ما يمثل تحولاً عن المقاربة التقليدية التي ظلت لعقود تركز حصريا على خيار الاستقلال.
تراجع خيار المواجهة المسلحة
وأشار التقرير إلى أن خيار المواجهة العسكرية، الذي كان يشكل أحد أبرز شعارات الجبهة، لم يعد يحتل موقع الصدارة في خطابها الحالي، رغم التصعيد الذي شهدته المنطقة سنة 2020، والذي لم يحقق نتائج ملموسة على مستوى تغيير مسار النزاع.
وفي هذا السياق، نقلت الصحيفة عن محمد يسلم بيسط، الذي تصفه الجبهة بـ”وزير خارجيتها”، تأكيده أن الحكم الذاتي يمكن أن يكون خيارا قابلاً للنقاش، لكنه يرفض أن يفرض كحل نهائي، معتبرا أن ذلك يرتبط بحق تقرير المصير وفق تعبيره، ما يعكس مرونة نسبية في الطرح دون التخلي الكامل عن المرجعيات السابقة.
كما شدد القيادي ذاته على أن المرحلة الراهنة تقتضي تغليب المسار التفاوضي والحوار القائم على الشرعية الدولية، وهو ما يعزز فرضية تراجع الرهان على العمل المسلح كوسيلة رئيسية.
دعم دولي متزايد للمقترح المغربي
وفي مقابل هذا التحول، أبرز التقرير أن مقترح الحكم الذاتي الذي يطرحه المغرب يحظى بدعم واضح من الإدارة الأمريكية، وهو ما يعزز الضغوط الدولية في اتجاه تسوية سياسية تستبعد خيار الاستقلال، الذي شكل لعقود جوهر أطروحة البوليساريو.
كما سجل التقرير تراجع الدعم الدولي التقليدي للجبهة، مقابل تزايد التأييد لموقف المغرب، في ظل تحولات جيوسياسية دفعت عددا من الدول إلى إعادة تقييم مواقفها.
تغير موازين القوى في إفريقيا وأوروبا
وفي هذا السياق، أشار التقرير إلى قرار مالي سحب اعترافها بما يسمى “الجمهورية الصحراوية”، في خطوة تعكس تحولا في مواقف دول الساحل، تزامناً مع تنامي الدعم الإفريقي والأوروبي لمبادرة الحكم الذاتي.
كما سبق لصحيفة واشنطن بوست أن أكدت أن هذا المقترح يحظى بدعم متزايد، خاصة بعد قرار مجلس الأمن في أكتوبر 2025، الذي دعا إلى التفاوض على الحكم الذاتي باعتباره مبادرة “جدية وذات مصداقية وواقعية”، دون الإشارة إلى خيار الاستفتاء.
واقعية سياسية تعيد تشكيل النزاع
ويرى متابعون أن هذه التحولات تعكس نجاح المقاربة المغربية القائمة على الواقعية السياسية، من خلال تقديم الحكم الذاتي كحل وسط يجمع بين الحفاظ على السيادة الوطنية والاستجابة لخصوصيات المنطقة، ما ساهم في تعزيز قبوله دوليا.
كما يؤكد تنامي الدعم الدولي، إلى جانب التحولات داخل خطاب البوليساريو، أن النزاع يتجه تدريجيا نحو مرحلة جديدة عنوانها التفاوض والبحث عن تسوية نهائية، في ظل المفاوضات التي تقودها الولايات المتحدة لدفع الأطراف إلى صيغة توافقية.


