أُطلق، يوم 24 أبريل 2026، بالدار البيضاء، الجزء الثاني من السلسلة الوثائقية المتحركة “أجي تفهم“، التي تسعى إلى تقديم قراءة علمية جديدة لتاريخ العلاقات المغربية الجزائرية، من خلال معالجة مرحلة مفصلية تمتد بين سنتي 1830 و1847، في سياق يتسم باستمرار التوترات السياسية بين البلدين.
وتندرج هذه المبادرة ضمن رؤية علمية يشرف عليها المؤرخ محمد نبيل ملين، حيث يهدف المشروع إلى إعادة بناء سردية تاريخية دقيقة، قائمة على مصادر أولية تشمل مخطوطات وخرائط دبلوماسية ومراسلات ووثائق نقدية، تم تحليلها وفق منهجية مقارنة ومتقاطعة.
ويأتي هذا العمل استجابة لإشكال معرفي يتمثل في غياب سردية تاريخية رصينة لدى الجمهور الواسع، خاصة في ما يتعلق بتاريخ العلاقات المغربية الجزائرية، وهو ما تسعى السلسلة إلى تجاوزه من خلال تبسيط المعرفة دون الإخلال بدقتها العلمية.
تلاقٍ بين البحث الأكاديمي والإبداع الفني
ويقوم المشروع على مزاوجة بين التحليل التاريخي الدقيق والإخراج الفني، حيث يتولى المؤرخ محمد نبيل ملين الإشراف العلمي، بينما يشرف المخرج مصطفى الفكاك، المعروف باسم “سوينغا”، على الجانب الإبداعي، عبر إنتاج رسوم متحركة وسرد بالدارجة المغربية، مع توفير نسخ مترجمة إلى الفرنسية والإنجليزية والإسبانية والعربية.
وتمنح هذه المقاربة العمل بعدا تواصليا واسعا، يتيح الوصول إلى جمهور متنوع داخل المغرب وخارجه، في تجربة تجمع بين الصرامة العلمية وجاذبية الصورة.
سلسلة مدعومة جماهيريا
ويتكون المشروع من ثماني حلقات، خصصت الأربع الأولى للصحراء الشرقية، فيما تتناول الحلقات الأربع المتبقية الصحراء الغربية، وقد تم تمويله عبر مساهمة 1200 داعم من خلال منصة Kiwi Collecte، بغلاف مالي بلغ 430 ألف درهم.
وكانت الحلقة الأولى، التي نشرت سنة 2022، قد حققت أكثر من 3 ملايين مشاهدة، في مؤشر على الإقبال الواسع للجمهور على هذا النوع من المحتوى التاريخي المبسط.
قراءة تاريخية لمرحلة 1830-1847
وتتناول الحلقة الثانية مرحلة دقيقة من تاريخ المغرب الكبير، تميزت بتراجع النفوذ العثماني وبروز التوسع الفرنسي انطلاقًا من الجزائر، ما خلق تحولات استراتيجية عميقة في المنطقة.
وفي هذا السياق، وجد السلطان عبد الرحمن بن هشام نفسه أمام معادلة معقدة، بين دعم المقاومة التي قادها الأمير عبد القادر بن محيي الدين، وبين تفادي مواجهة مباشرة مع قوة استعمارية صاعدة.
كما تسلط الحلقة الضوء على التحول الذي أحدثه تعيين الجنرال الفرنسي توما بوجو سنة 1840، والذي مهد لتدخل عسكري داخل التراب المغربي سنة 1844، منهيا مرحلة تاريخية كان ينظر فيها إلى المغرب كقوة لم تهزم منذ معركة وادي المخازن سنة 1578. وتبرز هذه الفترة أيضا بداية طرح مسألة ترسيم الحدود، التي لا تزال تداعياتها مستمرة إلى اليوم.
حضور فني يوثق المرحلة
ومن بين العناصر اللافتة التي تتناولها الحلقة، حضور الرسام الفرنسي أوجين دولاكروا، الذي رافق بعثة دبلوماسية إلى المغرب سنة 1832، حيث شكلت أعماله لاحقًا مرجعًا بصريًا مهمًا لفهم الحياة الاجتماعية والسياسية بالمغرب خلال تلك المرحلة.
وفي امتداد لهذا المشروع، يستعد محمد نبيل ملين لإصدار كتاب جديد بعنوان “حدود المغرب الشرقية: من أقدم العصور إلى 1830″، وهو عمل توثيقي يسعى إلى تقديم قراءة تاريخية معمقة لجذور التوترات الحدودية بين المغرب والجزائر، اعتمادا على منهجية علمية قائمة على الأرشيف.
عرض مجاني ومتاح للجمهور
وتتوفر الحلقة الثانية من السلسلة ابتداءً من 24 أبريل 2026 على منصة يوتيوب، بمدة تقارب 35 دقيقة، وبولوج مجاني، في خطوة تهدف إلى تعميم المعرفة التاريخية وإتاحتها لشرائح واسعة من الجمهور.


