بدأت لجنة الداخلية بمجلس النواب، بمناقشة مشروع القانون التنظيمي رقم 031.26 المتعلق بالجهات، الذي يقضي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 111.14. و الذي أثار انتباهي بين مجموعة من المواد، نجد المادة 135 التي تمنح سلطة تعيين المدير العام للشركة الجهوية لتنفيذ المشاريع لوزارة الداخلية، مما يطرح إشكالات دستورية وقانونية تمس بجوهر المسار الديمقراطي الجهوي، سيما ونحن نتحدث عن لامركزية حقيقية وجهوية متقدمة وحكم ذاتي بالأقاليم الجنويية للمملكة.
تنص المادة على استثناء الشركة الجهوية من القواعد المعمول بها في قانون شركات المساهمة (17.95)، حيث جعلت تعيين المدير العام بقرار مركزي صادر عن وزارة الداخلية. هذا المقتضى يمثل ردة ديمقراطية عن مبدأ التدبير الحر الذي نص عليه دستور 2011 خاصة في الفصل 136.
وقد برر وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت هذا التوجه بكون منصب مدير الشركة يتطلب مهارات تقنية وخبرات تسييرية عليا قد لا تتوفر في المجالس المنتخبة. ويمكن بكل سهولة تفنيد هذا الطرح من خلال النقاط الثلاث التالية:
1 مغالطة غياب الخبرة في المجالس: إن المجالس الجهوية اليوم تضم نخبا فكرية وأطرا عليا (مهندسون،دكاترة،أطباء ،جامعيون..، إذ تتحدث بعض الأرقام عن أكثر من 12 ألف إطار بالجماعات الترابية…..). والقول بأن هذه النخب عاجزة عن اختيار مدير كفء هو تشكيك غير مبرر في جودة النخب الجهوية.
2 الخلط بين التعيين المركزي ووضع معايير محددة للمنصب المدير: حيث لضمان الكفاءة، كان يمكن للمشرع أن يضع شبكة معايير دقيقة وصارمة يجب أن تتوفر في المترشح، مع ترك عملية التوظيف للمجلس. إن سلب سلطة التعيين يعني أن الوزارة لا تثق في قدرة المنتخب على الاختيار وفق معيار الكفاءة وهي ضربة قوية للشرعية الانتخابية والتي يستمدها المجلس الجهوي من الشعب.
3 الكفاءة كغطاء للوصاية: تعتبر الكفاءة أداة تقنية تخضع للرؤية السياسية. ومن خلال المادة 135 تتضح رغبة المركز في التحكم في القرار التقني والسياسي لضمان بقاء المشاريع الجهوية تحت وصاية وأعين وزارة الداخلية في ضرب صارخ لمبدأ التدبير الحر.
إن المادة 135 تضرب الشرعية الانتخابية وما يمكن أن نسميه مجازا السيادة الجهوية. خاصة ونحن نتحدث عن جهوية متقدمة وحكم ذاتي، وذلك من خلال إفراغ الصندوق الانتخابي من محتواه. فعندما يصوت المواطن على مجلس جهوي محدد، فهو يمنحه تفويضا لتدبير شؤونه، ويمكن اعتبار سحب إدارة الشركة الجهوية لتنفيذ المشاريع، والتي تعتبر الذراع التنفيذي للجهة من يد المجلس، يفرغ العملية الانتخابية من معناها، إذ يصبح المنتخب مقررا صوريا بينما الآمر الناهي في التنفيذ هو موظف معين مركزيا من طرف ما يسمى أم الوزارات (وزارة الداخلية). بالإضافة الى أن المدير العام المعين من الداخلية سيكون ولاؤه الإداري والسياسي للوزارة التي عينته وليس للمجلس الذي يشتغل تحت إشرافه، وهذا الوضع سيخلق حصانة للمدير العام ضد أي محاسبة سياسية قد يمارسها المنتخبون، ويؤدي إلى شلل في حال تعارضت توجيهات المركز مع طموحات الجهة.
إن ادعاء وزير الداخلية بفقر المجالس للخبرة مردود عليه بالنقط الثلاث الآتية:
1. يمكن للمجالس اللجوء إلى مكاتب دولية متخصصة في انتقاء المدراء لضمان أعلى درجات المهنية.
2. أصحاب الخبرة الحقيقيون هم الذين يجمعون بين المعرفة التقنية وفهم الخصوصيات المحلية، وهو ما يتوفر في أطر الجهة أكثر من أطر الإدارة المركزية.
3. تملك الدولة آليات كافية للرقابة من خلال المفتشية العامة للمالية والداخلية والمجلس الأعلى للحسابات، وذلك لضمان عدم انحراف المجلس في اختيار المدير، دون الحاجة للتعيين المباشر.
إن المادة 135 ومعها المادة 138 التي ترهن ميزانية الشركة وبرنامج عملها بموافقة الوالي، تحول الجهات من مؤسسات ديمقراطية مستقلة إلى وكالات تنفيذية تابعة لوزارة الداخلية.
إن التنمية الجهوية لا يمكن أن تنجح إلا إذا تم وضع الثقة في النخب المحلية، أما التمسك بمنطق الوصاية بدعوى الكفاءة فهو إعادة إنتاج للمركزية بزي جديد علما أننا مقبلون على ورش الحكم الذاتي بأقاليمنا الجنوبية.
إنه من الأفضل تعديل المادة 135 بحيث يكون التعيين من صلاحيات مجلس الجهة، مع إمكانية خضوع التعيين لمصادقة السلطة الحكومية، وذلك لضمان التوافق بين الكفاءة التقنية والشرعية الديمقراطية، وإلا فما الفائدة من الانتخابات أصلا؟ إذا لم توصل الى المجالس سواء الجهوية أو الإقليمية أو الجماعية منتخبين يملكون زمام القرار بجهاتهم وأقاليمهم وجماعاتهم.
بقلم: هشام بنوشن (باحث في العلوم السياسية)


