كشفت تقارير أوروبية متزايدة عن حجم القلق المتصاعد داخل دوائر القرار في الاتحاد الأوروبي تجاه الوضع في تونس، التي تبدو اليوم غارقة في أزمة مركبة، عنوانها الأبرز اختلال التوازنات الاقتصادية وتخبط الخيارات السياسية في ظل قيادة الرئيس قيس سعيد.
فمع اقتراب موعد سداد نحو 700 مليون يورو من الديون الأوروبية، تزداد المخاوف من عجز تونس عن الوفاء بالتزاماتها، في وقت تعاني فيه البلاد من أزمة مالية خانقة، نتيجة سياسات وصفت داخل الأوساط الأوروبية بغير الواضحة، بل والمربكة، في تدبير الشأن الاقتصادي.
غياب الرؤية السياسية يربك الحلفاء
ولم تعد الأزمة التونسية مجرد أرقام اقتصادية، بل تحولت إلى مأزق سياسي حقيقي، حيث باتت عواصم أوروبية تتلقى استفسارات متكررة من معارضين تونسيين حول وجود بديل سياسي قادر على إنقاذ البلاد، دون أن تجد هذه التساؤلات إجابات واضحة حتى لدى شركاء تونس التقليديين، في مؤشر على ضبابية المشهد وغياب أفق سياسي مستقر.
ورغم استمرار التنسيق الرسمي، خاصة في ملف الهجرة الذي يشكل أولوية أوروبية، فإن المعطيات تكشف عن توتر خفي يطبع العلاقات بين تونس وشركائها الأوروبيين. دبلوماسيون تحدثوا عن صعوبات غير مسبوقة في التواصل مع الرئاسة التونسية، وصلت حد تجاهل اتصالات رسمية من أعلى المستويات داخل المفوضية الأوروبية، ما يعكس نمط تدبير يثير الاستغراب ويعمق فقدان الثقة.
وفي المقابل، تحاول بروكسل التمسك بنتائج اتفاق 2023، الذي ساهم في تقليص تدفقات الهجرة، غير أن هذا النجاح الظرفي لا يخفي عمق الاختلالات البنيوية التي تعيشها تونس.
ارتباك أمني وعسكري يفاقم العزلة
الارتباك لم يقتصر على الجانب السياسي، بل امتد إلى التعاون العسكري، حيث سجل رفض لقاءات مع مسؤولين إيطاليين رفيعي المستوى، في خطوة اعتبرت داخل الأوساط الأوروبية مؤشرا إضافيا على انغلاق غير مبرر. ورغم استمرار بعض مظاهر التعاون، مثل الزيارات العسكرية ورسوم السفن، فإن ذلك لا يخفي حجم التوتر الكامن.
واقتصاديا، تواجه تونس اختبارا حاسما في ظل ارتفاع أسعار الطاقة وتراجع قيمة العملة، ما يهدد بتوسيع فجوة العجز المالي بشكل خطير. خبراء اقتصاديون يحذرون من أن البلاد تسير نحو مرحلة أكثر صعوبة، في غياب إصلاحات حقيقية قادرة على استعادة التوازن.
تناقض أوروبي واستفادة صينية
وفي مشهد يعكس ارتباكا في الاستراتيجية الأوروبية، تستفيد شركات صينية من تمويلات أوروبية لتنفيذ مشاريع كبرى داخل تونس، مثل جسر بنزرت ومشاريع السكك الحديدية، ما يطرح تساؤلات حول جدوى المقاربة الأوروبية في المنطقة.
على صعيد الحقوق والحريات، تتصاعد الانتقادات الدولية بسبب ما يوصف بتضييق متزايد على المعارضين واعتقال نشطاء وتعليق أنشطة منظمات مدنية، في ممارسات تعيد تونس إلى مناخات سلطوية كانت قد تجاوزتها بعد 2011.
حديث متزايد عن مرحلة ما بعد سعيد
وفي ظل هذا المشهد المتأزم، لم يعد النقاش حول مرحلة ما بعد قيس سعيد مجرد تكهنات، بل أصبح مطروحا داخل دوائر أوروبية، حيث يجري تداول أسماء بديلة، من بينها كامل غريبي، رغم محدودية حضوره السياسي داخليا، في محاولة لاستشراف مخرج من الأزمة.
والمحصلة أن تونس تقف اليوم أمام مفترق حاسم، حيث تتقاطع الضغوط الاقتصادية مع الاختلالات السياسية، في ظل غياب رؤية واضحة للخروج من الأزمة، ما يجعل البلاد مهددة بمزيد من العزلة والانكماش، إذا لم تراجع خياراتها بشكل جذري وسريع.


