تتجه أزمة مشروع قانون مهنة المحاماة نحو مزيد من التصعيد، بعدما أعلنت جمعية هيئات المحامين بالمغرب تنظيم وقفة احتجاجية وطنية أمام مقر البرلمان بالرباط يوم الإثنين المقبل، بمشاركة محامين من مختلف الهيئات المهنية بمختلف المدن المغربية، احتجاجا على المقتضيات التي تضمنها المشروع والتي تعتبرها الهيئات المهنية تهديدا لمكتسبات المهنة واستقلاليتها.
وأكد بلاغ صادر عن جمعية هيئات المحامين بالمغرب، توصل موقع “آش نيوز” بنسخة منه، أن هذه الوقفة ستنظم تحت شعار “وقفة تحصين المكتسبات”، وذلك من أجل التعبير عن الرفض الجماعي لما وصفته الجمعية بالمقتضيات الخطيرة الواردة في مشروع قانون مهنة المحاماة، والتي أثارت حالة من الاحتقان والغضب داخل الأوساط المهنية.
تحذيرات من القضاء على “محامي المواقف”
وفي تصريح خص به موقع “آش نيوز“، اعتبر عثمان خلوقي، المحامي بهيئة الدار البيضاء والقيادي المحلي بحزب الاتحاد الاشتراكي بإقليم سطات، أن الجهات الدافعة نحو تمرير هذا القانون تسعى إلى إنهاء النموذج التقليدي للمحامي المناضل وصاحب المواقف، وتعويضه بمحامٍ لا تحركه سوى المصالح المادية والبحث عن الربح.
وأضاف المتحدث أن تاريخ المحاماة بالمغرب حافل بأسماء بصمت على مواقف خالدة في الدفاع عن الحقوق والحريات، مشيرا إلى أن عددا من المحامين واجهوا ملفات حساسة وخطيرة كانت تخيف الكثيرين، غير أنهم اختاروا الدفاع عن المبادئ والقيم المهنية مهما كانت التضحيات والثمن الذي قد يدفعونه على المستوى الشخصي أو المهني.
اتهامات للحكومة باستهداف استقلالية المهنة
واعتبر خلوقي أن المحاماة المغربية تواجه اليوم مرحلة دقيقة، متهما الحكومة بعدم إيلاء الأهمية اللازمة للمعاهدات الدولية والمبادئ الكونية المؤطرة للمهنة، وعدم استحضار المكانة التي يحتلها المحامي داخل منظومة العدالة ودوره في إنتاج الفكر القانوني والمساهمة في التشريع والدفاع عن الحقوق والحريات.
وأضاف أن المحامين ظلوا عبر التاريخ فاعلين أساسيين في بناء المؤسسات والمساهمة في صناعة القرار وإغناء الاجتهاد القضائي، مؤكدا أن أي مساس باستقلالية المهنة أو مكانتها ينعكس بشكل مباشر على منظومة العدالة ككل.
وهبي يرد من داخل مجلس المستشارين
وفي المقابل، رد عبد اللطيف وهبي وزير العدل على الانتقادات التي وجهتها جمعية هيئات المحامين للمشروع، خلال جلسة المصادقة عليه بمجلس المستشارين، حيث رفض الحديث عن وجود التزامات سابقة لرئيس الحكومة تجاه ممثلي المهنة.
وقال وهبي مخاطبا المحامين: “من أنتم حتى يلتزم معكم رئيس الحكومة؟”، معتبرا أن اللقاءات التي جمعت ممثلي المهنة برئيس الحكومة كانت تندرج في إطار التشاور والاستماع إلى الآراء والمقترحات، وليس في إطار التزامات ملزمة للحكومة.
البرلمان صاحب القرار النهائي
وأكد وزير العدل أن الالتزام الحقيقي لرئيس الحكومة يظل مرتبطا بالبرنامج الحكومي فقط، موضحا أن إبداء الرأي أو مناقشة بعض التعديلات لا يعني التعهد بتبنيها بشكل نهائي، لأن القرار يمر عبر المؤسسات الدستورية المختصة.
وشدد وهبي على أن الحكومة تناقش المقترحات والتعديلات وفق قناعاتها ومقاربتها التشريعية، قبل أن يحال المشروع على البرلمان الذي يملك وحده صلاحية المناقشة والتعديل والمصادقة، معتبرا أن المؤسسة التشريعية هي صاحبة القرار النهائي في هذا الملف.
المحاكم مشلولة بسبب المقاطعة
ويأتي هذا التصعيد في وقت شهدت فيه مختلف محاكم المملكة، منذ صباح الثلاثاء، شللا شبه كامل بعد مقاطعة المحامين للجلسات والإجراءات القانونية الموكولة إليهم، تنفيذا لقرارات جمعية هيئات المحامين بالمغرب الرامية إلى الضغط من أجل مراجعة مشروع القانون.
وتؤكد الهيئات المهنية أن الخطوات الاحتجاجية مرشحة للتصعيد خلال المرحلة المقبلة إذا استمرت الحكومة في تمرير المشروع بصيغته الحالية، فيما تتجه الأنظار إلى الوقفة الوطنية المرتقبة أمام البرلمان باعتبارها إحدى أكبر المحطات الاحتجاجية التي ستخوضها المهنة خلال السنوات الأخيرة.


