حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

اعتبر موقع “Areion24” الفرنسي المتخصص في الشؤون الجيوسياسية أن الأزمة الراهنة بين فرنسا والجزائر ليست تطورا ظرفيا، وإنما امتداد لمسار طويل من الخلافات التي رافقت العلاقات الثنائية منذ استقلال الجزائر سنة 1962، في ظل استمرار تأثير ملفات الذاكرة التاريخية، وانضمام قضية الصحراء إلى قائمة أبرز أسباب التوتر بين البلدين.

وأوضح التقرير أن مرور أكثر من ثلاثة وستين عاما على الاستقلال لم يكن كافيا لإنهاء حالة الشد والجذب بين باريس والجزائر، إذ ما تزال كل أزمة جديدة تعيد إلى الواجهة إرث الماضي وتؤجل أي إمكانية لإقامة علاقة مستقرة بين الطرفين.

أزمات متكررة منذ الاستقلال

ورأى المصدر أن العلاقات الفرنسية الجزائرية أصبحت قائمة على منطق الأزمات المتكررة، التي تتخذ أشكالا متعددة، من بينها تبادل طرد الدبلوماسيين، والتصعيد الإعلامي، والخلافات السياسية، وهو ما يعكس استمرار صعوبة تجاوز آثار المرحلة الاستعمارية.

ويستند التقرير إلى الخلفية التاريخية التي تعود إلى الاحتلال الفرنسي للجزائر سنة 1830، وما صاحبه من سياسات تمييزية، قبل أن تنتهي تلك الحقبة بحرب استقلال استمرت سبع سنوات وأسفرت عن سقوط مئات الآلاف من الضحايا.

وأشار إلى أن هذا الإرث ما يزال يشكل ركنا أساسيا في الخطاب الرسمي الجزائري، الذي يواصل استحضار الذاكرة الاستعمارية في تعاطيه مع فرنسا.

ملف الذاكرة يعود باستمرار

ورغم بناء البلدين، بعد الاستقلال، شبكة واسعة من المصالح المشتركة، خاصة بعد اتفاق سنة 1968 المنظم لتنقل وإقامة وعمل الجزائريين في فرنسا، فإن التقرير يرى أن ملف الذاكرة بقي حاضراً في جميع محطات الخلاف السياسي.

كما استحضر القانون الفرنسي الصادر سنة 2005، الذي تحدث عن “الدور الإيجابي” للاستعمار الفرنسي في الجزائر، معتبرا أنه شكل آنذاك محطة جديدة في تأزيم العلاقات، رغم المحاولات التي أطلقها الرئيس إيمانويل ماكرون منذ سنة 2017 لإعادة فتح ملف الذاكرة من منظور مختلف.

الاعتراف بمغربية الصحراء زاد حدة التوتر

وأكد التقرير أن العلاقات الثنائية دخلت مرحلة أكثر تعقيدا عقب إعلان فرنسا، في يوليوز 2024، دعم المبادرة المغربية للحكم الذاتي باعتبارها الأساس الأكثر جدية ومصداقية لتسوية نزاع الصحراء، وهو الموقف الذي رفضته الجزائر واعتبرته تحولاً غير مقبول في السياسة الفرنسية.

وأضاف المصدر أن تراكم الخلافات التاريخية تزامن مع عوامل سياسية أخرى، من بينها تعدد مراكز القرار داخل فرنسا، مقابل ما وصفه بطبيعة النظام السياسي الجزائري الذي يفتقد إلى الوضوح في آليات اتخاذ القرار، إلى جانب الحضور القوي للمؤسسة العسكرية في إدارة الملفات الاستراتيجية.

اقتصاد متماسك رغم الخلاف السياسي

وفي مقابل هذا التصعيد السياسي، أبرز التقرير أن العلاقات الاقتصادية والإنسانية بين البلدين ما تزال متماسكة، إذ تستضيف فرنسا أكبر جالية من أصول جزائرية، كما تستقبل أعدادا كبيرة من الطلبة والباحثين عن فرص العمل القادمين من الجزائر.

ووفق الأرقام التي استند إليها التقرير، حافظت فرنسا خلال سنة 2024 على مكانتها كأول شريك تجاري للجزائر، بعدما استحوذت على 14.2 في المائة من صادراتها و11.7 في المائة من وارداتها.

كما يقدر عدد المواطنين الجزائريين المقيمين في فرنسا بنحو 642 ألف شخص يحملون الجنسية الجزائرية، بينما يقدر عدد الفرنسيين من أصول جزائرية بالملايين، مع الإشارة إلى أن التشريعات الفرنسية لا تعتمد إحصاءات رسمية مبنية على الانتماء العرقي أو الإثني.

وختم التقرير بالتأكيد على أن ملف الذاكرة ظل لعقود العنوان الأبرز للخلافات بين باريس والجزائر، غير أن تطور الموقف الفرنسي من قضية الصحراء جعل هذا الملف يحتل موقعا متقدما في أولويات السياسة الجزائرية، التي باتت تعتبر النزاع قضية مرتبطة بالأمن القومي، بعدما كانت تقدم نفسها سابقاً باعتبارها مراقبا وداعما لجبهة البوليساريو.