شهدت أجهزة الأمن والاستخبارات الجزائرية، منذ وصول عبد المجيد تبون إلى رئاسة الجمهورية في دجنبر 2019 وتولي الفريق أول سعيد شنقريحة قيادة أركان الجيش، سلسلة من التغييرات المتواصلة في بنيتها وقياداتها، ضمن مسار إعادة ترتيب المؤسسات الأمنية بعد المرحلة التي أعقبت سقوط نظام عبد العزيز بوتفليقة.
ورافقت هذه التحولات تساؤلات متزايدة حول مدى استقرار الأجهزة الأمنية، في ظل توالي قرارات الإعفاء والتعيين داخل مؤسسات يفترض أن تقوم على الاستمرارية والسرية.
من تفكيك DRS إلى إعادة توزيع الاختصاصات
وبدأت ملامح المنظومة الجديدة بعد تفكيك جهاز دائرة الاستعلام والأمن (DRS)، وإبعاد قائده السابق محمد مدين، المعروف بالجنرال توفيق، قبل أن تتوزع المهام بين المديرية العامة للأمن الداخلي، والمديرية العامة للتوثيق والأمن الخارجي، والمديرية المركزية لأمن الجيش، مع عودة الإشراف المباشر للمؤسسة العسكرية على هذه الأجهزة.
وفي 23 دجنبر 2019، عين عبد المجيد تبون سعيد شنقريحة رئيسا مؤقتا للأركان قبل تثبيته لاحقا، ليصبح أحد أبرز الفاعلين في هندسة المشهد الأمني الجديد.
دوامة تعيينات داخل الأجهزة الأمنية
وعرفت المديرية العامة للأمن الداخلي تعاقب عدد من المسؤولين على قيادتها، من بينهم واسيني بوعزة، وعبد الغني راشدي، وجمال كحال مجدوب، وعبد القادر حداد الملقب بـ”ناصر الجن”، ثم عبد القادر آيت وعرابي المعروف بالجنرال حسان.
وفي ماي 2026، تولى اللواء زاهي منير قيادة الجهاز خلفاً لآيت وعرابي، ليصبح سادس مسؤول تقريبا يشغل هذا المنصب خلال ست سنوات.
كما شهدت المديرية العامة للتوثيق والأمن الخارجي سبعة تغييرات في قيادتها خلال الفترة ذاتها، كان من أبرزها تعيين رشدي فتحي موساوي مديراً عاماً خلفاً لمهنا جبار في شتنبر 2024، بينما طالت التغييرات أيضاً قيادة أمن الجيش والدرك الوطني.
صراعات نفوذ وملفات خارج الحدود
ويرى مراقبون أن هذه التغييرات قد ترتبط بالرغبة في الحيلولة دون ظهور مركز استخباراتي قوي يعيد تجربة جهاز الجنرال توفيق، فيما يعتبر آخرون أنها تعكس صراعاً بين شبكات أمنية وعسكرية مختلفة داخل مؤسسات الدولة.
وأعادت قضية المدير السابق للأمن الداخلي عبد القادر حداد إلى الواجهة هذه النقاشات، بعدما تحدثت تقارير إعلامية في دجنبر 2025 عن فراره من الإقامة الجبرية، وهو ما أثار تساؤلات بشأن طبيعة الانقسامات داخل المؤسسة الأمنية، رغم غياب رواية رسمية مفصلة.
قضايا بوخرص وعبود تزيد الضغوط
وفي الخارج، تصدر ملف المعارض أمير بوخرص، المعروف بـ”أمير دي زاد”، المشهد بعد اختطافه في فرنسا خلال أبريل 2024، قبل أن يوجه القضاء الفرنسي في أبريل 2025 اتهامات إلى ثلاثة أشخاص، من بينهم موظف بالقنصلية الجزائرية، مع إصدار مذكرة توقيف لاحقة بحق دبلوماسي جزائري سابق في إطار التحقيقات الجارية.
وأدت هذه القضية إلى أزمة دبلوماسية بين باريس والجزائر، شملت تبادل طرد 24 موظفا دبلوماسيا وقنصليا، بينما لا تزال المتابعة القضائية مستمرة في فرنسا.
كما شهدت مدينة برشلونة الإسبانية، في أكتوبر 2024، اختطاف الصحفي والمعارض هشام عبود قبل أن تحرره قوات الحرس المدني الإسباني، في حين اتهم عبود ومحاموه السلطات الجزائرية بالوقوف وراء العملية.
ويعتبر متابعون أن تتابع هذه الملفات، إلى جانب التغييرات المتكررة داخل الأجهزة الأمنية، يعكس استمرار إعادة توزيع مراكز النفوذ بين الرئاسة وقيادة الجيش ومختلف الشبكات الأمنية، في وقت تؤكد فيه السلطات أن إعادة الهيكلة تستهدف تعزيز فعالية المؤسسات، بينما يرى منتقدون أن الاستقرار الكامل للمنظومة الاستخباراتية لم يتحقق بعد.


