حجم الخط + -
3 دقائق للقراءة

ربطت جمعية هيئات المحامين بالمغرب إنهاء معركتها الاحتجاجية بتحقيق الهدف الذي تقول إن الجسم المهني توحد حوله، والمتمثل في إسقاط القانون الجديد المنظم لمهنة المحاماة، معلنة مواصلة التوقف الشامل عن تقديم الخدمات المهنية، بالتوازي مع الاستعداد للانتقال إلى مرحلة جديدة من الاحتجاج باستعمال الوسائل المؤسساتية والقانونية المشروعة.

وكشف بيان مفصل للجمعية، حصل موقع “آش نيوز” على نسخة منه، أن مكتبها سيجتمع يوم 10 شتنبر 2026 لوضع برنامج نضالي جديد وتحديد الخطوات التي ستطبع المرحلة المقبلة، على أن يعقد في اليوم نفسه ندوة صحفية لتقديم موقفه للرأي العام الوطني، وشرح مسار القانون ومآلاته والأسباب التي دفعت الجسم المهني إلى التشبث برفضه.

المحامون يفتحون ملف المحكمة الدستورية

ولا تقف مطالب الجمعية عند إسقاط القانون، إذ دعت إلى فتح نقاش مؤسساتي بشأن ملابسات إحالته على المحكمة الدستورية، والظروف التي أدت إلى تعذر البت فيه بسبب عدم استيفاء الإحالة للمتطلبات اللازمة، فضلا عن أسباب عدم تدارك الوضع قبل انتقال النص إلى مرحلة النشر، مطالبة بترتيب المسؤوليات المؤسساتية والسياسية المرتبطة بما حدث.

وتساءلت الجمعية عن كيفية إجراء الإحالة والأسباب التي منعت المحكمة الدستورية من ممارسة رقابتها على القانون، ولماذا لم يتم تدارك الأمر بعد صدور قرارها، وكيف انتقل النص رغم ذلك إلى مرحلة النشر والتنفيذ، معتبرة أن الإجابة عن هذه الأسئلة لم تعد شأنا مهنيا يخص المحامين وحدهم، وإنما قضية مرتبطة بالثقة في المساطر الدستورية وفي آليات الرقابة على دستورية القوانين.

وبالنسبة إلى المحامين، فإن أصل الأزمة لا يرتبط فقط بالمقتضيات التي يتضمنها القانون، بل كذلك بالمسار الذي أنتجه، إذ تقول الجمعية إن توافقات تم التوصل إليها خلال الحوار المؤسساتي لم تجد طريقها كاملة إلى النص النهائي، قبل أن ينتهي المسار بقانون ترفضه المؤسسات المهنية المنتخبة.

“إصلاح المهنة ضد إرادة أهلها”

وترى الجمعية أن هذا الوضع يطرح سؤالا جوهريا حول إمكانية بناء إصلاح حقيقي لمهنة المحاماة دون مشاركة فعلية لأصحابها، بل وفي مواجهة اعتراض المؤسسات المنتخبة التي تمثلهم، مؤكدة أن النص يتضمن، في تقديرها، مقتضيات تمس استقلال المهنة وحصانة الدفاع والتنظيم الذاتي، وتتعارض مع مكتسبات دستورية وحقوقية ومعايير دولية مرتبطة بحرية واستقلال ممارسة المحاماة.

ووصلت الجمعية في توصيفها للمواجهة إلى اعتبارها معركة ضد “التغول التشريعي”، وضد ما وصفته بـ”تشريع على المقاس لخدمة مصالح خاصة”، معتبرة أن جوهر الخلاف يتمثل في مواجهة رؤية تريد إخضاع المحاماة لمنطق الضبط والوصاية عوض تعزيز استقلالها داخل منظومة العدالة.

وأعادت الأزمة، وفق البيان، إلى الواجهة النقاش بشأن جودة صناعة التشريع والتوازن بين السلط واستقلال القرار التشريعي وموقع الديمقراطية التشاركية، إذ ترى الجمعية أن الإصلاح الحقيقي لمؤسسات العدالة ينبغي أن يقوم على تكامل مكوناتها واحترام اختصاصاتها، لا على إضعاف أحدها أو الحد من استقلاله.

تحذير من توسيع تدخل وزارة العدل والنيابة العامة

وعبرت الجمعية عن قلقها من مقتضيات قالت إنها توسع مجالات تدخل السلطة الحكومية المكلفة بالعدل والنيابة العامة في شؤون ترتبط بالممارسة المهنية، معتبرة أن ذلك يحمل مخاطر الانتقال من التنظيم الذاتي إلى “الوصاية”، ويهدد الموقع الذي يفترض أن تحتله المحاماة باعتبارها شريكا أساسيا في بناء العدالة.

كما وضعت الجمعية قضية مكانة النقباء السابقين ضمن هذا السياق، معتبرة أنهم يمثلون الذاكرة المهنية وحملة أعراف المحاماة وتقاليدها وخبرتها المتراكمة، وربطت ذلك بما وصفته بمحاولات إضعاف جمعية هيئات المحامين بالمغرب باعتبارها الإطار التاريخي الجامع للهيئات ووحدة القرار المهني على المستوى الوطني.

وأكد المكتب أن الجمعية لا ترتبط بأشخاص أو بولاية مهنية محددة، وإنما تستمد قوتها من تاريخها وشرعيتها وهيئاتها وآلاف المحامين والمحاميات المنضوين داخل الجسم المهني، معتبرا أن الأزمة الحالية عززت، بدلا من إضعافها، الحاجة إلى إطار وطني قادر على توحيد موقف المحامين والدفاع عن استقلال مهنتهم.

“حقوق الدفاع حق للمواطن”

وبحسب الجمعية، فإن حجم الرفض الذي عبر عنه المحامون بمختلف هيئاتهم ومؤسساتهم وأجيالهم يجعل من الصعب التعامل مع اعتراضهم باعتباره مجرد خلاف ظرفي حول بعض مواد القانون، خاصة أن النص ينظم مهنة ترتبط بشكل مباشر بالمحاكمة العادلة وحماية حقوق المتقاضين.

وشددت على أن القانون كان يفترض أن يستنفد ضمانات الفحص الدستوري بعدما جرى تفعيلها، وأن يصل إلى مرحلة التنفيذ في ظل وضوح دستوري وثقة مؤسساتية، وليس محاطا بالأسئلة الناتجة عن إحالة تعذر معها على المحكمة الدستورية البت في الموضوع.

وبين استمرار التوقف الشامل عن تقديم الخدمات المهنية والتحضير لاجتماع 10 شتنبر، تبدو المواجهة مرشحة لدخول مرحلة جديدة، فيما تتمسك جمعية هيئات المحامين بموقفها القائل إن القضية تتجاوز مطالب فئوية للمحامين إلى الدفاع عن إحدى ضمانات دولة القانون، مؤكدة أن “حقوق الدفاع ليست مطلبا للمحامين، بل حق للمواطن، وليست امتيازا مهنيا، بل ضمانة من ضمانات دولة القانون”.