حجم الخط + -
5 دقائق للقراءة

لم تحمل الأيام الأولى من مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة إعلانات صريحة عن تحالفات جاهزة، بقدر ما كشفت عن سباق سياسي هادئ تحاول خلاله قيادات الأحزاب الاحتفاظ بأوراقها إلى آخر لحظة، فيما تواصل فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة المعينة، استقبال زعماء ووفود الأحزاب بمقر حزب الأصالة والمعاصرة بحثا عن الصيغة التي ستمنح حكومتها المقبلة أغلبية برلمانية قادرة على الاشتغال.

وخلف التصريحات الدبلوماسية التي أعقبت اللقاءات، بدت الحسابات أكثر تعقيدا؛ فلا الأحزاب التي أبدت تقاربا مع تصور المنصوري أعلنت مشاركتها، ولا تلك التي دخلت المشاورات كشفت شروطها كاملة، بينما خرج حزب العدالة والتنمية مبكرا من سباق الأغلبية بعدما حسم موقعه في المعارضة، ليبقى السؤال متعلقا بالأحزاب التي ما تزال تطرق باب التحالف دون أن تعلن صراحة رغبتها في دخوله.

كلمات محسوبة وأبواب لم تغلق

ويبدو أن العنوان الأبرز لهذه المرحلة هو الحذر، إذ حرصت معظم القيادات التي مرت من مقر “البام” على عدم استباق نتائج المشاورات، مكتفية بإشارات سياسية يمكن قراءتها بأكثر من اتجاه، في انتظار اتضاح هوية الأحزاب التي يمكن أن تجتمع داخل الأغلبية والبرنامج الذي ستلتزم به.

فالمشاركة في الحكومة لا ترتبط فقط بإعلان الرغبة في التحالف مع الأصالة والمعاصرة، وإنما بتوازنات الأغلبية المقبلة وتوزيع المسؤوليات والبرنامج الحكومي، وهي عناصر تفسر احتفاظ عدد من الزعماء بمسافة سياسية تسمح لهم بالمناورة قبل العودة إلى مؤسسات أحزابهم لاتخاذ القرار النهائي.

ومن هنا تحولت التصريحات القصيرة التي أعقبت اللقاءات إلى رسائل سياسية مدروسة؛ بعضها يتحدث عن المرحلة المقبلة، وبعضها عن البرنامج والتحديات، فيما يفضل آخرون ترك مضمون المفاوضات بعيدا عن الإعلام إلى حين اكتمال الجولة الأولى.

بنكيران يغلق باب الحكومة ويبقي التواصل مفتوحا

وسط هذا الهدوء، اختار عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، رسم خط فاصل بين التواصل مع رئيسة الحكومة المعينة والتفاوض من أجل دخول حكومتها، مؤكدا أن حزبه حسم مسبقا موقعه في المعارضة، وأن هذا القرار اتخذته الأمانة العامة وصادق عليه المجلس الوطني للحزب.

بنكيران لم يرفض مبدأ لقاء المنصوري، لكنه رفض الانتقال إلى مقر حزب الأصالة والمعاصرة، موضحا أن المبادرة إلى التواصل جاءت منها، وأنه رحب باللقاء بالنظر إلى صفتها المؤسساتية الجديدة، مع تمسكه بأن يتم الاجتماع في مكان آخر.

وبذلك نقل الأمين العام للعدالة والتنمية النقاش من سؤال المشاركة في الحكومة إلى شكل العلاقة السياسية والمؤسساتية بين الطرفين، مميزا بين خلاف حزبه مع “البام” وبين استعداده للتواصل في القضايا المرتبطة بمصالح الدولة.

كما أن رفض مقر “البام” منح موقفه حمولة سياسية إضافية، إذ بدا حريصا على ألا تظهر صورة اللقاء وكأن العدالة والتنمية عاد إلى التفاوض بشأن حكومة يقودها الحزب الذي قرر مواجهته من مقاعد المعارضة.

أوزين يريد “قطيعة إيجابية” مع الماضي

وعلى الطرف الآخر من طاولة المشاورات، قدم محمد أوزين، الأمين العام للحركة الشعبية، واحدة من أكثر العبارات إثارة للانتباه عندما تحدث عقب لقائه المنصوري عن الحاجة إلى إحداث “قطيعة إيجابية مع المرحلة السابقة”.

وجاء حديث أوزين بعد الاستماع، وفق تصريحه، إلى تصور رئيسة الحكومة المعينة لعدد من الملفات والتحديات الاقتصادية والتنموية والسياسية، مع حضور واضح لقضايا الشباب ضمن النقاش الذي جمع الطرفين.

غير أن الأمين العام للحركة الشعبية لم يحول هذا التقارب في تشخيص المرحلة إلى إعلان رسمي للمشاركة في الحكومة، تاركا بذلك مساحة بين الإشادة بالحاجة إلى التغيير وبين القرار المؤسساتي النهائي للحزب بشأن دخول الأغلبية.

ويمكن قراءة هذا الحذر ضمن الحسابات التي تطبع المشاورات، حيث تسعى الأحزاب إلى معرفة طبيعة العرض السياسي الكامل قبل الانتقال من مرحلة الاستماع والتشاور إلى الالتزام بتحالف حكومي لخمس سنوات.

بنعبد الله يناور ولا يمنح جوابا نهائيا

وبدوره، دخل محمد نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، المشاورات دون أن يخرج منها بقرار معلن بشأن المشاركة، رغم حديثه عن وجود نقاط مشتركة مع التصور الذي قدمته المنصوري.

ووضع بنعبد الله موقف حزبه ضمن معادلة أوسع من مجرد التقارب مع رئيسة الحكومة المعينة، إذ ربط الحسم بمعرفة التركيبة التي ستقوم عليها الأغلبية الجديدة، وهو ما يعني أن هوية الشركاء المحتملين ستكون بدورها عنصرا في قرار “الكتاب”.

وأكد أن هيئات الحزب ستواصل التداول وإنضاج موقفها على ضوء ما ستفرزه المشاورات، لتبقى إمكانية المشاركة أو المعارضة مفتوحة في انتظار اكتمال الصورة السياسية.

وهكذا يحتفظ التقدم والاشتراكية بهامش للمناورة يسمح له بالتفاوض حول البرنامج والتحالفات قبل إعلان قراره، فلا هو أغلق الباب كما فعل العدالة والتنمية، ولا هو عبر عن قبول نهائي بدخول الحكومة.

لشكر يضع المشاورات “في طي الأمانات”

أما إدريس لشكر، الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، فاختار عدم تقديم تفاصيل عن مضمون لقائه مع المنصوري، معتبرا أن ما دار بين الطرفين سيبقى “في طي الأمانات” إلى حين استكمال رئيسة الحكومة المعينة مشاوراتها.

ويعكس هذا الموقف حرص الاتحاد الاشتراكي على عدم الكشف مبكرا عن أوراقه أو شروطه، خصوصا في مرحلة لم تتضح فيها بعد التركيبة النهائية للأغلبية ولا توزيع المواقع بين الأحزاب التي يمكن أن تشكلها.

وتشير تغطيات المشاورات إلى أن الاتحاد الاشتراكي طرح بدوره رؤيته وشروطه السياسية للمرحلة المقبلة، فيما بقي قرار المشاركة النهائي مرتبطا بمآلات المفاوضات وتركيبة الحكومة التي ستقترحها المنصوري.

وبذلك اختار لشكر أن يجعل الصمت جزءا من التفاوض، تاركا الباب مفتوحا أمام أكثر من سيناريو إلى حين ظهور ما إذا كان الاتحاد سيجد لنفسه موقعا مناسبا داخل الأغلبية أم سيختار الاصطفاف خارجها.

شوكي يدخل بحسابات الحزب الثاني

ويحضر التجمع الوطني للأحرار في المشاورات بوزن مختلف، باعتباره الحزب الذي حل ثانيا في الانتخابات، وهو ما يجعله أحد المكونات التي يمكن أن يكون موقفها مؤثرا في هندسة الأغلبية المقبلة.

وكان وفد التجمع، برئاسة محمد شوكي، أول من استقبلته المنصوري ضمن الجولة الأولى، حيث جرى تبادل وجهات النظر بشأن المرحلة المقبلة والاستماع إلى تصور رئيسة الحكومة المعينة للتحديات التي تنتظر البلاد.

ولم يكشف شوكي عن تفاصيل تتعلق بشروط المشاركة أو الحقائب أو طبيعة التفاهمات الممكنة، مكتفيا بإطار سياسي عام يقوم على استحضار المصلحة العليا للبلاد، وهو خطاب يبقي مساحة واسعة للمفاوضات قبل الإعلان عن القرار النهائي.

ويجعل الوزن البرلماني للتجمع موقفه مختلفا عن عدد من الأحزاب الأخرى، بالنظر إلى أن حصوله على 66 مقعدا بعد الأصالة والمعاصرة صاحب الـ97 مقعدا يمنحه ثقلا عدديا داخل أي حسابات محتملة لتكوين الأغلبية.

مشاورات أم اختبار مبكر لموازين القوى؟

ولا تبدو اللقاءات الجارية مجرد إجراء بروتوكولي يسبق الإعلان عن أسماء الوزراء، بل تمثل الجولة الأولى من اختبار موازين القوى داخل البرلمان الجديد، إذ يحاول كل حزب تحديد المسافة التي تفصله عن مشروع المنصوري والشروط التي يمكن أن تسمح له بالانتقال إلى الأغلبية.

فالأصالة والمعاصرة يحتاج إلى بناء تحالف يوفر للحكومة قاعدة برلمانية مستقرة، بينما تبحث الأحزاب التي لم تحسم موقعها عن معرفة البرنامج وشكل التحالف وحجم تأثيرها الممكن داخله قبل تقديم جواب نهائي.

وفي المقابل، أصبح جزء من خريطة المعارضة أكثر وضوحا بعد إعلان العدالة والتنمية تموقعه خارج الحكومة، وهو الحزب الذي حصل على 54 مقعدا في الانتخابات، ما يمنحه كتلة برلمانية مؤثرة من موقع المعارضة.

البيجيدي يحجز موقعه في المعارضة

ويمنح قرار العدالة والتنمية المشهد السياسي أول نقطة ثابتة وسط التحالفات المتحركة، إذ لم يعد الحزب جزءا من الحساب العددي المتعلق بتشكيل الحكومة، لكنه سيكون حاضرا في المعادلة البرلمانية من موقع آخر.

كما يسمح هذا الاختيار لبنكيران بتقديم أي تواصل لاحق مع المنصوري باعتباره حوارا بين مؤسسات وقيادات سياسية، وليس تفاوضا حول المقاعد الوزارية، وهي النقطة التي حرص على إبرازها عند حديثه عن اللقاء الذي كان مقترحا بين الطرفين.

وفي المقابل، لم تصل بقية الأحزاب التي شاركت في الجولة الأولى إلى المستوى نفسه من الحسم، إذ ما تزال تترك أبوابها مفتوحة في انتظار معرفة العرض الحكومي الكامل وتركيبة الأغلبية وشروط الانضمام إليها.

وبين “القطيعة الإيجابية” التي تحدث عنها أوزين، والمناورة الهادئة لبنعبد الله، و”أمانات” لشكر، وتحفظ شوكي عن كشف التفاصيل، ورفض بنكيران دخول مقر “البام”، يبدو أن الزعماء يطرقون أبواب التحالف بحذر، لكن لا أحد يريد أن يكون أول من يكشف جميع أوراقه أمام المنصوري.