في مفارقة سياسية لا تخلو من السخرية، وجد موظفون بحزب الأصالة والمعاصرة أنفسهم، مع بداية الشهر، في انتظار ليس لقرار سياسي أو نتيجة مشاورات تشكيل الحكومة، وإنما لتوقيع مالي يبدو أنه اختفى باختفاء صاحبه، بعدما انقطع التواصل منذ ثلاثة أيام مع عضو بالأمانة العامة للحزب، المهدي بنسعيد، تقول مصادر إنه المخول له بالتوقيع على صرف أجور العاملين.
وبحسب المعطيات المتوفرة لـ”آش نيوز“، فإن هاتف القيادي ظل يرن خلال الأيام الثلاثة الماضية دون جواب، بينما لم تفلح محاولات التواصل معه في الوصول إليه، ما أثار تساؤلات داخل أروقة الحزب حول أسباب هذا الغياب المفاجئ، خصوصا أنه يأتي في ظرف سياسي دقيق يعيش فيه “البام” على وقع ترتيبات المرحلة الجديدة.
ولم يعد الأمر، وفق المصادر نفسها، مرتبطا بغياب قيادي عن اجتماعات أو اتصالات حزبية يمكن تأجيلها، إذ امتدت تداعياته إلى الجانب الإداري والمالي، بعدما وجد موظفون بالمقر المركزي والمقرات الجهوية أنفسهم في انتظار أجورهم بسبب غياب التوقيع الضروري لإصدار أوامر التحويل.
ثلاثة أيام والهاتف يرن دون جواب
وتقول المصادر إن محاولات الاتصال بالقيادي المعني تواصلت دون نتيجة، في وقت لم تتضح فيه أسباب اختياره الابتعاد عن التواصل، وهو ما فتح داخل الحزب بابا واسعا أمام التأويلات بشأن ما إذا كان الأمر يتعلق بغياب عابر أم بخلاف مرتبط بالتطورات التي يعيشها “البام”.
وتتداول في الكواليس تساؤلات حول احتمال وجود خلاف داخلي، أو ارتباط الغياب بملف أو طلب لم يحظ بالموافقة، بل ذهب بعض المحللين والمهتمين بالشأن السياسي إلى طرح سيناريو أكثر إثارة، ومفاده أن مهدي بنسعيد ربما دخل في حالة غضب واعتكاف سياسي، لأنه كان يمني النفس وينتظر تعيينه رئيسا للحكومة، فلما لم يتحقق هذا الطموح السياسي الكبير، قرر حزم أمتعته والابتعاد عن الساحة الحزبية والواجهة السياسية كنوع من الاحتجاج الضمني، غير أن هذه الاحتمالات تظل في نطاق التكهنات ما دام المسؤول المعني لم يخرج لتوضيح أسباب انقطاعه عن التواصل.
ويزيد توقيت الغياب من حجم الأسئلة، بالنظر إلى أن الحزب يعيش مرحلة سياسية استثنائية عقب تصدره الانتخابات وتعيين منسقته الوطنية فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة ومكلفة بتشكيلها، بينما تتواصل داخل الحزب ترتيبات مرتبطة بالمرحلة المقبلة.
الموظفون ينتظرون توقيعا للإفراج عن الأجور
غير أن الوجه الأكثر إحراجا في القضية يتعلق، بحسب المصادر، بكون القيادي الغائب يتوفر على صلاحية التوقيع الضرورية لصرف أجور موظفي الحزب، وهو ما حول غيابه من شأن تنظيمي داخلي إلى مشكلة مالية تمس العاملين بصورة مباشرة.
ومع دخول الشهر الجديد، بقي الموظفون في انتظار استكمال الإجراءات التي تسمح بتحويل رواتبهم، فيما أصبح الوصول إلى توقيع المسؤول المعني شرطا لإنهاء الوضع والإفراج عن المستحقات.
وهنا تظهر المفارقة، فالحزب الذي يوجد اليوم في قلب ترتيبات تشكيل الحكومة الجديدة يجد جزء من جهازه الإداري في انتظار عودة شخص واحد حتى تستكمل عملية صرف الأجور، وفق المعطيات التي نقلتها المصادر.
ويطرح الوضع تساؤلات حول آليات التدبير المالي داخل الحزب ومدى وجود بدائل إدارية تسمح باستمرار الإجراءات المالية في حالة غياب الشخص المخول له بالتوقيع، حتى لا تتحول مسألة مرتبطة بمسؤول واحد إلى سبب لتعطيل مصالح مجموعة من الموظفين.
هل يحتاج “البام” إلى البحث عن صاحب التوقيع؟
وبين هاتف يواصل الرنين دون جواب وموظفين يراقبون حساباتهم البنكية في انتظار التحويل، تحولت القضية داخل الكواليس إلى مادة للتعليقات الساخرة حول الطريقة التي يمكن بها إنهاء هذا المأزق غير المتوقع.
فهل سيضطر الحزب إلى إرسال من يبحث عن القيادي للحصول منه على التوقيع؟ أم سيظهر المسؤول من تلقاء نفسه ليضع حدا لثلاثة أيام من الغياب والأسئلة ويعيد دورة الأجور إلى مسارها الطبيعي؟
ومهما كانت الأسباب التي تقف وراء انقطاع التواصل، فإن استمرار الوضع يجعل القضية تتجاوز شخص القيادي المهدي بنسعيد الغائب إلى طريقة تدبير الشؤون الداخلية للحزب، خصوصا عندما يصبح أداء أجور العاملين مرتبطا بتوقيع لا يتوفر، وفق المصادر، سوى لدى شخص واحد.
وإلى أن يظهر صاحب التوقيع أو يجد الحزب مخرجا إداريا آخر، سيظل المشهد قائما على مفارقة يصعب تجاهلها، حزب يقود مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة، بينما ينتظر موظفوه رنة هاتف مجابا عنها وتوقيعا يعيد أجورهم إلى حساباتهم.


