أصدرت مؤسسة محمد السادس حديثا مصحفا شريفا لترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة الأمازيغية بتعبير “تشلحيت” وهذه محطة سوسيولوجية وتاريخية بالغة الدلالة في الذاكرة الدينية والمؤسساتية المغربية. فهذا الحدث لا ينفصل عن مسار طويل ومتصل من التفاعل المستمر بين النص الديني واللسان المحلي في عمق التاريخ المغربي، حيث لم تكن الأمازيغية يوما بمعزل عن روح الإسلام وتجلياته المعرفية.
جذور الأزل وتوطين المعرفة في محراب اللسان:
تاريخيا، توثقت عرى الارتباط بين الأمازيغية والعلوم الشرعية عبر صيغ تدوينية وتعليمية متعددة. فمنذ القديم، لجأ علماء المغرب، لا سيما في حواضر وسهول سوس العتيقة، إلى تقريب المعارف الدينية من وجدان العامة عبر تدوين المتون الفقهية والعقائدية بالأمازيغية، لعل أبرزها “نحوه” ونظم “الحوض” للشيخ سيدي حمو أوزال.
وعند العودة إلى استقراء الروايات التاريخية والمحطات الكبرى لتشكل الكيان المغربي، تتجلى تجربة إمارة برغواطة في منطقة تامسنا بوضوح كواحدة من أبكر وأعقد المحاولات للتفاعل بين اللسان الأمازيغي والدين. فوفق ما أورده المؤرخون مثل أبي عبيد البكري وابن خلدون، شهدت تلك الحقبة محاولة صياغة ديانة ونظما محليا كُتب بلغة القوم. وعلى الرغم من أن تلك التجربة التاريخية انحرفت عن جادة التدين الإسلامي السني وأسست لمنزع عقدي مستقل حاولت الدولة الموحدية والمرابطية معالجته واجتثاثه لاحقا، إلا أنها ظلت دليلا تاريخيا مبكرا على سعي الإنسان المغربي الشديد لاستيعاب الغيب وصياغة شريعته باللسان الأمازيغي المحلي.
إن الاختيار المؤسسي المعاصر المتمثل في اعتماد الحرف العربي لكتابة هذه الترجمة القرآنية الجديدة يكتسي عمقا استراتيجيا وتاريخيا فريدا، فهو يحيي تقاليد عريقة لطالما جعلت من الحرف العربي وعاء جامعا لكل لغات المجتمع المغربي وثقافاته، مانعا أي قطيعة مفتعلة أو اصطناعية بين لغة الوحي واللسان المحلي، ومحافظا في الآن ذاته على لحمة التراث الخطي المغربي الأصيل.
خلخلة الأوهام وتفكيك ثنائيات الانشطار الهوياتي:
من منظور سوسيولوجي، يفكك هذا الإصدار ثنائية وهمية طالما روجت لها خطابات التنافر: ثنائية العروبة والإسلام في مواجهة الأمازيغية. فاللغة في علم الاجتماع ليست مجرد أداة محايدة للتواصل والتخاطب، بل هي حامل وجداني وثقافي ينفذ إلى الأعماق السيكو-وجدانية للفرد. وعندما تُتاح معاني النص المقدس باللسان الأمازيغي الأم، فإن ذلك يخترق الحواجز السوسيولغوية ليلامس اللاشعور الجماعي للمتحدثين بها، محطما الصورة النمطية التي حصرت التدين طويلا في قالب لغوي أحادي.
هذا التحول يعزز بامتياز ما يصطلح عليه بالأمن الروحي للمجتمع، مجسدا قطيعة هادئة مع النزاعات الهوياتية الضيقة، ومؤكدا أن النموذج الديني المغربي القائم على إمارة المؤمنين والوحدة المذهبية المتشبعة بالتوسط والاعتدال قادر دائما على استيعاب تعدديته اللغوية والثقافية في انسجام تام وتلاحم عضوي.
أفياء المواطنة الروحية وعرس الاندماج المجتمعي
علاوة على ذلك، يكرس هذا الإنجاز العلمي مفهوم المواطنة الروحية الكاملة. فحين يجد المواطن نصه الديني ومرجعيته الروحية متاحين بلغته الأم وبحرفها التاريخي المتجذر، فإنّه يختبر شعورا عميقا بالاعتراف الرمزي بوجوده في أسمى مجالات الوجود الاجتماعي والثقافي.
ويأتي هذا المسار تجسيدا للرؤية الملكية السامية الحريصة على صيانة الجذور الأمازيغية للتاريخ المغربي والاتصال الوثيق للمؤسسة الملكية بروافد الهوية الوطنية، إذ يُعد الخطاب الملكي التاريخي في أجدير سنة 2001 اللبنة الأساسية التي وضعت المعالم الكبرى لهذا التوجه، حيث أكد جلالة الملك محمد السادس أن الأمازيغية تشكل مكونا أساسيا من مكونات الثقافة المغربية ورصيدا مشتركا لجميع المغاربة دون استثناء. وقد توج هذا المسار الدستوري والمؤسساتي الممتد بدسترة الأمازيغية لغة رسمية إلى جانب العربية، ثم القرار الملكي التاريخي بإقرار رأس السنة الأمازيغية عطلة وطنية رسمية مؤدى عنها، مما يبرز كيف تلتقي المؤسسة الملكية في عمق رؤيتها الاستراتيجية مع أصول الشعب المغربي وروافده الحضارية الضاربة في القدم.
وهنا يبدو جلايا كيف يرسخ دينامية الاندماج الاجتماعي، ويحصن الناشئة والمجتمع ضد شتى أشكال الاستقطاب أو التطرف الهوياتي، باعتبار أن التنوع اللغوي في المغرب هو مصدر غنى للروح الجماعية وقوة للنسيج المجتمعي، لا مصدر تهديد له.
إن المصحف المترجم للأمازيغية بالحرف العربي يثبت أن التراث الديني في المغرب ليس كائنا متحفيا جامدا، بل هو دينامية حية تتنفس بلغات أبنائها، وحيث يتقاطع التاريخ المؤسسي للبلاد مع تطلعات المستقبل في كنف هوية وطنية موحدة ومتعددة الروافد.
بقلم: صفاء بولجداد (باحثة في السوسيولوجيا)


