حجم الخط + -
3 دقائق للقراءة

يرسم صندوق النقد الدولي صورة إيجابية لآفاق الاقتصاد المغربي خلال السنتين الجارية والمقبلة، مع توقع نمو الناتج الداخلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 4,5 في المائة سنة 2026 و4,2 في المائة سنة 2027، غير أن هذه التوقعات ترافقها دعوة واضحة إلى تسريع الإصلاحات المرتبطة بالتعليم والتشغيل، بما يتيح توسيع استفادة الشباب من الدينامية الاقتصادية.

وجاءت هذه المعطيات على لسان تالين كورنشيليان، نائبة مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى بصندوق النقد الدولي، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، يوم أمس الخميس 15 أكتوبر 2026، على هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك، حيث أكدت أن الاقتصاد المغربي يواصل إظهار قدرة على الصمود أمام التقلبات العالمية.

نمو اقتصادي رغم الاضطرابات الدولية

وأوضحت المسؤولة الدولية أن آفاق النمو بالمغرب تظل مواتية رغم حالة عدم اليقين التي تهيمن على الاقتصاد العالمي، مشيرة إلى أن المملكة استفادت من متانة مؤسساتها ودينامية الاستثمار واعتماد سياسات اقتصادية حذرة، ساهمت في تقوية قدراتها الإنتاجية وتحسين قدرتها على مواجهة الصدمات الخارجية.

كما أبرزت أن النمو الاقتصادي خلال النصف الأول من سنة 2026 ظل متينا، مدعوما بتحسن الإنتاج الفلاحي ومرونة قطاع الخدمات، فضلا عن استمرار الاستثمارات في البنيات التحتية، وهي عناصر تعكس أهمية تنوع مصادر النشاط الاقتصادي في الحفاظ على دينامية النمو.

وتشير توقعات صندوق النقد إلى استمرار النمو خلال سنة 2027، وإن بوتيرة أقل من المستوى المنتظر خلال السنة الجارية، وهو ما يطرح أهمية الحفاظ على الاستثمارات والإصلاحات التي تدعم الإنتاجية، خصوصا في ظل استمرار المخاطر المرتبطة بالأسواق الدولية وأسعار الطاقة.

هل ينعكس النمو على فرص الشغل؟

ورغم المؤشرات الإيجابية المتعلقة بالنمو، فإن تصريحات المسؤولة بصندوق النقد الدولي أعادت التركيز على أحد أبرز التحديات الاقتصادية والاجتماعية بالمغرب، والمتمثل في توسيع فرص التشغيل، خصوصا لفائدة الشباب، بما يضمن ارتباط الأداء الاقتصادي بتحسين فرص الاندماج في سوق العمل.

وشددت كورنشيليان على ضرورة مواصلة الدينامية الاقتصادية واستثمار المكتسبات المحققة لتسريع تنمية الرأسمال البشري، معتبرة أن خلق فرص الشغل يمثل أولوية خلال المرحلة المقبلة، إلى جانب تطوير المهارات والمؤهلات التي يحتاجها الاقتصاد الوطني.

وتبرز هذه الدعوة أهمية التمييز بين ارتفاع الناتج الداخلي الإجمالي وتحسن مؤشرات التشغيل، إذ لا يؤدي النمو الاقتصادي بالضرورة إلى خلق العدد المطلوب من مناصب الشغل ما لم تواكبه استثمارات منتجة وسياسات تعزز قدرة المقاولات والقطاعات الاقتصادية على استيعاب اليد العاملة.

إصلاح التعليم شرط لتعزيز النمو

وخصصت المسؤولة الدولية جانبا مهما من تصريحاتها للإصلاحات المرتبطة بالتعليم، مؤكدة أن السلطات المغربية بدأت بالفعل تنفيذ أوراش مهمة، لكنها تحتاج إلى مواصلة الجهود الرامية إلى تحسين جودة التكوين وملاءمته مع احتياجات سوق الشغل.

وتكتسب هذه المسألة أهمية بالنظر إلى الدور الذي يؤديه الرأسمال البشري في رفع الإنتاجية وجذب الاستثمارات، حيث إن تطوير المهارات المهنية والتقنية وتعزيز كفاءة الموارد البشرية يمكن أن يساعدا الاقتصاد المغربي على الاستفادة بصورة أكبر من المشاريع الاستثمارية المنجزة أو المرتقبة.

كما أن تحسين التوافق بين المؤهلات المتاحة والوظائف المطلوبة يشكل أحد العوامل الأساسية لتوسيع فرص التشغيل، خصوصا في القطاعات التي تتطلب مهارات متخصصة، وهو ما يجعل إصلاح منظومة التعليم والتكوين جزءا من السياسات الاقتصادية وليس مجرد ورش اجتماعي منفصل عنها.

الاستثمارات وحدها لا تكفي

وتعكس إشادة صندوق النقد الدولي بدينامية الاستثمار في المغرب أهمية المشاريع المرتبطة بالبنيات التحتية في دعم النشاط الاقتصادي وتعزيز القدرات الإنتاجية، غير أن تحقيق آثار طويلة المدى لهذه الاستثمارات يرتبط أيضا بقدرة الاقتصاد على تطوير قطاعات منتجة وخلق فرص عمل مستدامة.

وفي هذا الإطار، تبدو مواصلة الإصلاحات الهيكلية ضرورية للحفاظ على آفاق النمو الإيجابية، خاصة تلك التي تستهدف تحسين المهارات وتعزيز الإنتاجية وتوسيع قاعدة النشاط الاقتصادي، بما يسمح بتحويل الاستثمارات إلى مكاسب تشمل فئات أوسع من المجتمع.

ولا تعني التوقعات الإيجابية غياب المخاطر، إذ تنعقد الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في ظرفية عالمية تتسم بالتوترات الجيوسياسية والضغوط على أسعار الطاقة وتفاقم أعباء الدين العام، فضلا عن التحولات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وتأثيراته المحتملة على الإنتاج وأسواق العمل.

اختبار المرحلة المقبلة

وتضع تصريحات صندوق النقد الدولي الاقتصاد المغربي أمام معادلة تجمع بين الحفاظ على وتيرة نمو إيجابية ومواصلة الإصلاحات الضرورية لتوسيع فرص التشغيل، خصوصا أن تحسين القدرات الإنتاجية لا يكتمل أثره الاقتصادي والاجتماعي دون تطوير الموارد البشرية ورفع قدرة سوق العمل على استيعاب الكفاءات.

وبين توقع نمو يبلغ 4,5 في المائة سنة 2026 و4,2 في المائة سنة 2027، يبقى التحدي المطروح هو مدى قدرة السياسات الاقتصادية والإصلاحات التعليمية على ترجمة هذه الدينامية إلى فرص عمل وتحسينات ملموسة في الإنتاجية، بما يعزز صمود الاقتصاد المغربي على المدى المتوسط.