دخل التوتر التجاري بين فرنسا والجزائر مرحلة دبلوماسية جديدة، بعدما قررت باريس طرح مسألة القيود التي تواجه منتجاتها داخل السوق الجزائرية أمام وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، في خطوة تنقل الملف من نطاق العلاقات الثنائية إلى مستوى التشاور مع الشركاء الأوروبيين، دون أن يصدر عن الاجتماع قرار جماعي جديد بهذا الشأن.
ويعكس هذا التحرك تزايد أهمية البعد الاقتصادي في الخلاف بين البلدين، خصوصا مع تداول تقارير عن تعليمات جزائرية غير معلنة لاستبعاد المنتجات الفرنسية من برامج الاستيراد، وتسجيل تراجع في صادرات قطاعات صناعية فرنسية نحو الجزائر، وسط استمرار نزاع تجاري أوسع بين الجزائر والمفوضية الأوروبية.
هل تتحول الواردات إلى ورقة في الخلاف الدبلوماسي؟
وتشير تقارير صحفية نقلتها “لو جورنال دو ديمانش” عن صحيفتي “ماريان” و”لاكروا” إلى أن مستوردين جزائريين تلقوا منذ نهاية يوليوز تعليمات شفهية بحذف المنتجات المصنوعة في فرنسا من برامجهم التقديرية للاستيراد، باستثناء الأدوية، وهو إجراء يمكن أن يؤثر على عمليات التوريد إذا تأكد تطبيقه على نطاق واسع.
وتكتسب هذه المعطيات أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة برامج الاستيراد، التي تحدد السلع التي يعتزم المتعاملون الاقتصاديون شراءها من الخارج، ما يجعل استبعاد المنتجات الفرنسية منها وسيلة محتملة للحد من دخولها إلى السوق الجزائرية دون الحاجة إلى إعلان حظر شامل.
لكن هذه المعلومات لا تزال مستندة إلى روايات صحفية، في غياب إعلان رسمي جزائري يحدد طبيعة التعليمات أو الجهات المعنية بها، وهو ما يمنع الجزم بوجود قرار حكومي معلن يستهدف جميع المنتجات الفرنسية أو بتحديد أثره الاقتصادي الفعلي.
أرقام التجارة تكشف تراجعا سابقا للقيود الأخيرة
وبعيدا عن التقارير المتعلقة بالتعليمات الشفهية، تكشف بيانات الجمارك الفرنسية عن تراجع قائم في المبادلات التجارية مع الجزائر، إذ بلغت قيمة الصادرات الفرنسية نحو 3,9 مليارات يورو خلال الفترة الممتدة من شتنبر 2025 إلى غشت 2026.
وشمل التراجع قطاعات صناعية مهمة، من بينها السيارات التي انخفضت صادراتها بنسبة 21,3 في المائة، والآلات والمعدات العامة بنسبة 19,8 في المائة، ومكونات السيارات بنسبة 31,5 في المائة، مقارنة بالفترة السنوية السابقة، ما يعكس تقلصا في صادرات تشمل المنتجات الاستهلاكية ومستلزمات الإنتاج.
غير أن الربط المباشر بين هذه الأرقام والتعليمات المنقولة منذ نهاية يوليوز سيكون غير دقيق، لأن الفترة الإحصائية المعنية سبقت في معظمها ظهور تلك التعليمات، وبالتالي فإن قياس أثرها يتطلب متابعة بيانات الأشهر اللاحقة والتمييز بين الاتجاه التجاري السابق وأي تأثير جديد محتمل.
القمح الفرنسي أمام اختبار السوق الجزائرية
ويبرز ملف الحبوب ضمن القطاعات التي تتقاطع فيها العلاقات التجارية مع التوترات الدبلوماسية، بعدما تحدثت وكالة “رويترز” عن مناقصة دولية طرحها الديوان الجزائري المهني للحبوب لشراء قمح الطحن، وسط اعتقاد بعض المتعاملين بإمكانية استمرار استبعاد القمح الفرنسي من عمليات الشراء.
وتستند هذه التوقعات إلى تقديرات متعاملين في السوق بشأن تأثير الخلاف بين باريس والجزائر، دون أن تتضمن المعلومات المنشورة قرارا رسميا بإقصاء القمح الفرنسي أو نتائج نهائية تحدد الموردين الفائزين بالمناقصة، ما يبقي المسألة ضمن دائرة الاحتمالات التجارية غير المحسومة.
وتكشف هذه الحالة عن حساسية بعض القطاعات تجاه تطورات العلاقات الدبلوماسية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بسلع تخضع لمناقصات دولية وقرارات شراء يمكن أن تتأثر بعوامل متعددة، من بينها الأسعار وشروط التوريد والاعتبارات التجارية والسياسية.
بروكسيل والجزائر.. خلاف أقدم من الأزمة الفرنسية
ولا تبدأ الخلافات التجارية بين الجزائر والاتحاد الأوروبي مع التطورات الأخيرة، إذ سبق للمفوضية الأوروبية أن أعلنت في 16 يوليوز 2025 طلب تشكيل هيئة تحكيم بشأن إجراءات تجارية واستثمارية فرضتها الجزائر منذ سنة 2021، بعدما لم تسفر المشاورات التي انطلقت في يونيو 2024 عن تسوية.
وتشمل الملفات التي أثارتها المفوضية نظام تراخيص الاستيراد، وحظر استيراد الرخام ومنتجات السيراميك، والقيود المفروضة على الشركات المستوردة، وهي إجراءات تتعلق بالإطار التجاري الأوسع بين الجزائر والاتحاد الأوروبي، ولا ينبغي الخلط بينها وبين التعليمات الأحدث المنقولة بشأن المنتجات الفرنسية.
وكانت المفوضية الأوروبية قد أعربت أيضا عن قلقها من عراقيل إضافية تواجه الشركات والمصدرين الفرنسيين تحديدا، مؤكدة أنها تتابع هذه التطورات مع السلطات الجزائرية، وهو ما يعني أن إثارة باريس للموضوع خلال الاجتماع الأخير تأتي في سياق متابعة أوروبية سابقة، وليست بداية تدخل المؤسسات الأوروبية في الملف.
الجزائر تتمسك بالحوار وترفض التحكيم
وفي مواجهة المسار الذي اختارته المفوضية الأوروبية، أعلنت الخارجية الجزائرية يوم 17 يوليوز 2025 اعتراضها على طلب التحكيم، واعتبرت القرار متسرعا وأحاديا، مشيرة إلى أن ست نقاط خلافية من أصل ثماني كانت تتجه نحو الحل، وأنها قدمت مقترحات لمعالجة النقطتين المتبقيتين.
كما دعت الجزائر إلى عقد مجلس الشراكة مع الاتحاد الأوروبي لمناقشة الخلافات القائمة، في موقف يعكس تفضيلها معالجة النزاع التجاري العام عبر الآليات المؤسساتية للحوار، مع ضرورة التأكيد أن هذا الرد لا يمثل موقفا رسميا من التعليمات الأخيرة المتعلقة بالمنتجات الفرنسية.
من الخلاف الثنائي إلى الاختبار الأوروبي
وتتمثل أهمية الخطوة الفرنسية في إدراج الصعوبات التي تواجه صادرات باريس ضمن نقاش أوروبي أوسع، غير أن مجرد إثارة الملف أمام وزراء الخارجية لا يعني تبني الاتحاد الأوروبي إجراءات عقابية أو تجارية جديدة، ما دام الاجتماع لم يسفر، وفق المعطيات المتاحة، عن قرار جماعي بهذا الخصوص.
وفي انتظار ظهور بيانات أحدث بشأن الواردات الجزائرية والصادرات الفرنسية، يظل الملف مفتوحا على مستويين متوازيين: نزاع تجاري مؤسساتي قائم بين الجزائر والاتحاد الأوروبي، وخلاف أحدث يتعلق بقيود منقولة صحفيا على المنتجات الفرنسية، وهو تمييز أساسي لفهم طبيعة الأزمة وحدود تداعياتها الاقتصادية والدبلوماسية.


