وضعت حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، خلال عرض برنامجها أمام مجلسي البرلمان اليوم الاثنين 19 أكتوبر 2026، مجموعة من الالتزامات الاجتماعية الكبرى في صدارة أولويات الولاية الحكومية 2026-2031، من خلال الإعلان عن أهداف تشمل إصلاح الخدمات الصحية، وتحسين جودة التعليم، والحد من الانقطاع المدرسي، وتوسيع فرص التشغيل، وإطلاق برامج جديدة للسكن القروي والكراء.
ويعكس البرنامج توجها نحو ربط استكمال أوراش الدولة الاجتماعية بتحسين الخدمات التي يتلقاها المواطنون بصورة مباشرة، غير أن اتساع هذه الالتزامات وتعدد آجالها يطرحان سؤالا بشأن الآليات المالية والمؤسساتية التي ستعتمدها الحكومة لتنفيذها، ومدى قدرتها على تحويل الأهداف المعلنة إلى نتائج قابلة للقياس خلال السنوات المقبلة.
الصحة.. الانتقال من بطاقة التغطية إلى العلاج الفعلي
وفي قطاع الصحة، أقرت الحكومة ضمنيا بأن توسيع التغطية الصحية لا يكفي وحده لضمان استفادة المواطنين من العلاج، بعدما جعلت من معالجة الخصاص الترابي في العرض الصحي وإصلاح مصالح الاستعجالات واستقبال المرضى وتعميم المساعدة الطبية المستعجلة أولويات للمرحلة المقبلة. كما تعهدت بمأسسة مسلك العلاج وإرساء منظومة معلوماتية وطنية موحدة، إلى جانب استكمال الإصلاح المؤسساتي وتعزيز الموارد البشرية وتحسين أوضاع الوظيفة العمومية الصحية، في محاولة لمعالجة الفجوة القائمة بين الحق في الاستفادة من التغطية الصحية والقدرة الفعلية على الحصول على خدمات علاجية متاحة وذات جودة.
ويضع هذا الالتزام الحكومة أمام تحديات عملية تتعلق بتوزيع الأطر الصحية والتجهيزات بين المدن والقرى، وتقليص الضغط على المستشفيات ومصالح الاستعجالات، وضمان استمرارية الخدمات الطبية بالمناطق التي تعاني من نقص العرض الصحي. كما أن إحداث منظومة معلوماتية موحدة وتنظيم مسلك العلاج يقتضيان تنسيقا بين مختلف المؤسسات الصحية ومستويات الرعاية، وهو ما يجعل تقييم هذا الورش مرتبطا بمدى تحسن ظروف استقبال المرضى وتقليص آجال الانتظار وتيسير الحصول على العلاج، وليس فقط بعدد الإجراءات التنظيمية التي سيتم الإعلان عنها.
التعليم.. أهداف رقمية طموحة أمام واقع الهدر المدرسي
وفي قطاع التربية والتكوين، أعلنت المنصوري أن الحكومة تستهدف وصول نسبة التلاميذ المتحكمين في التعلمات والكفايات الأساسية إلى 80 في المائة على الأقل بحلول سنة 2031، عبر تعميم نموذج مؤسسات الريادة وإعداد مرجع وطني ملزم للتعلمات الأساسية واعتماد تقييمات تشخيصية منتظمة، مع تعزيز الدعم التربوي الفردي وتوظيف الوسائل الرقمية في تتبع النتائج الدراسية. ويرتكز هذا التوجه على اعتبار جودة التعلمات أولوية تتجاوز مجرد توسيع الولوج إلى المؤسسات التعليمية، في ظل الحاجة إلى تطوير قدرة المدرسة على تمكين التلاميذ من المعارف والمهارات الأساسية التي تسمح لهم بمواصلة الدراسة والاندماج لاحقا في الحياة المهنية.
غير أن الهدف الأكثر إثارة للاهتمام يتمثل في تعهد الحكومة بتحقيق “صفر انقطاع عن الدراسة” بحلول سنة 2030، في وقت أقرت فيه رئيسة الحكومة بأن نحو 300 ألف تلميذ يغادرون الدراسة سنويا دون تأهيل. ولبلوغ هذا الهدف، تقترح الحكومة آليات للرصد المبكر والتتبع الفردي وإعادة الإدماج في التعليم أو التوجيه نحو التكوين المهني والتكوين بالتدرج، وهي إجراءات تفتح نقاشا بشأن مدى قدرة المنظومة التعليمية على معالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية والمجالية التي تدفع التلاميذ إلى الانقطاع، خصوصا في المناطق القروية والهامشية، ومدى توفر الموارد الضرورية لضمان استمرارهم في مسارات تعليمية أو تكوينية مناسبة.
السكن القروي.. 100 ألف مسكن ودعم للأسر
وعلى مستوى السكن، أعلنت الحكومة عن تحول في مقاربتها من التركيز على إنتاج الوحدات السكنية إلى تحسين ملاءمة السكن لحاجيات الأسر وتقليص كلفته وتقريبه من فرص العمل والخدمات الأساسية. ويتضمن البرنامج مواصلة دعم التملك وإحداث عرض وطني للكراء وتطوير حلول سكنية لموظفي القطاعات التي تواجه صعوبات في استقطاب العاملين، إلى جانب مواصلة معالجة السكن غير اللائق، في توجه يربط السياسة السكنية بالتخطيط الترابي وجودة الحياة والقدرة الشرائية للأسر، بدل حصرها في مؤشرات البناء والإنتاج العقاري.
ومن أبرز الالتزامات المعلنة إطلاق برنامج يستهدف تأهيل أو بناء 100 ألف مسكن بالعالم القروي خلال الولاية الحكومية، مع تخصيص دعم مباشر بقيمة 40 ألف درهم للأسرة المؤهلة ومواكبة تقنية مجانية، فضلا عن إعداد قانون جديد للتعمير القروي يهدف إلى تبسيط المساطر وتسوية وضعية المباني القائمة التي تستوفي شروط السلامة وتحترم حقوق الغير. ويطرح هذا البرنامج أسئلة تتعلق بمعايير تحديد الأسر المستفيدة، وكيفية توزيع الدعم بين المناطق، ومدى كفاية المبلغ المخصص لتغطية جزء مؤثر من تكاليف البناء أو التأهيل، فضلا عن قدرة الإجراءات القانونية الجديدة على تجاوز الصعوبات التي تواجه سكان القرى في الحصول على تراخيص البناء وتسوية الوضعيات العقارية.
الشباب.. ملايين خارج التعليم والشغل وخطة تبدأ في 2027
أما ملف الشباب، فقد احتل موقعا مركزيا في البرنامج الحكومي، بعدما استعرضت المنصوري أرقاما تشير إلى وجود نحو 2.9 ملايين شاب وشابة تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة خارج التعليم والتكوين والشغل، وبلوغ بطالة الفئة العمرية من 15 إلى 24 سنة نسبة 29.2 في المائة. وأمام هذه المؤشرات، أعلنت الحكومة إطلاق برنامج وطني ابتداء من سنة 2027 يهدف إلى تكوين 100 ألف شاب سنويا وفق احتياجات المقاولات، وتمكين نحو 100 ألف شاب سنويا من أول تجربة مهنية، ورفع عدد المستفيدين من التكوين بالتدرج إلى ما بين 150 ألفا و200 ألف شخص سنويا، في إطار سياسة تستهدف تحسين فرص الانتقال من التعليم والتكوين إلى سوق الشغل.
كما تعهدت الحكومة بمواكبة 60 ألف مقاولة عبر الاحتضان وتيسير التمويل والضمان والولوج إلى الأسواق والصفقات العمومية، إلى جانب تطوير فرص الحركية المهنية داخل المغرب وخارجه، من خلال اتفاقيات مع دول تحتاج إلى بعض المهن، وتفعيل جواز الحركية المهنية للأشخاص الذين يجدون فرص عمل خارج مناطق إقامتهم، مع توفير مساكن للكراء بأسعار مناسبة. غير أن نجاح هذه الإجراءات سيظل مرتبطا بمدى قدرتها على إحداث إدماج مهني مستدام، لأن الاستفادة من تكوين أو تجربة مهنية أولى لا تعني بالضرورة الحصول على منصب شغل دائم، وهو ما يجعل مؤشرات التشغيل الفعلي واستمرار المقاولات وتحسن دخل المستفيدين عناصر أساسية في تقييم النتائج.
وبذلك، تقدم حكومة المنصوري برنامجا يضم التزامات اجتماعية واسعة ومؤشرات كمية محددة في مجالات التعليم والسكن والتكوين والتشغيل، إلى جانب إصلاحات مؤسساتية في قطاع الصحة. وبين سقف الأهداف المعلنة والآجال المحددة لإنجازها، ستبرز أهمية توضيح التمويل والبرمجة الزمنية وآليات التتبع والتقييم، حتى يكون بالإمكان قياس ما تحقق فعليا من هذه الالتزامات خلال الولاية الحكومية، وتحديد مدى انعكاسها على جودة الخدمات العمومية والقدرة الشرائية وفرص العمل والعيش الكريم للمواطنين.


