حجم الخط + -
3 دقائق للقراءة

على إيقاع الأناشيد الصوفية وقصائد المديح والمناجاة، عاشت ساحة باب المكينة بمدينة فاس، مساء أمس الاثنين 19 أكتوبر الجاري، على وقع أمسية فنية وروحية أحيتها المجموعة الرسمية للسماع والمديح للطريقة البودشيشية بحضور شيخها، معاذ القادري بودشيش، وذلك ضمن برنامج الدورة الثامنة عشرة لمهرجان فاس للثقافة الصوفية وحكم العالم المنظم تحت الرعاية السامية للملك محمد السادس.

وقدمت المجموعة عرضا استحضر جانبا من الموروث السماعي للطريقة، من خلال وصلات جمعت بين الذكر والشعر الصوفي والتعبير الوجداني، في لقاء مع جمهور المهرجان الذي تفاعل مع مختلف فقرات الأمسية.

باب المكينة تحتضن لقاء بين السماع والتراث الروحي

واختارت مجموعة الجمال أن تقدم خلال مشاركتها برنامجا مستمدا من التقاليد الروحية للطريقة القادرية البودشيشية، حيث توالت الأناشيد والقصائد التي تستحضر المحبة الإلهية والصلاة على النبي ومعاني التضرع والتأمل. وشكل هذا العرض مناسبة لإبراز الخصائص الفنية والروحية للسماع الصوفي المغربي، الذي يجمع بين الكلمة الشعرية والأداء الجماعي، ويحافظ على حضوره ضمن الممارسات الثقافية والروحية المرتبطة بالزوايا والطرق الصوفية.

قيس بن يحيى والشيخ معاذ القادري

ولم تقتصر أهمية الأمسية على بعدها الفني، بل امتدت إلى تجديد الصلة بين الطريقة القادرية البودشيشية وجمهورها، في فضاء تاريخي ارتبط باحتضان تظاهرات ثقافية وفنية كبرى بمدينة فاس. كما منح حضور شيخ الطريقة معاذ القادري بودشيش للقاء طابعا خاصا لدى المشاركين والمتابعين، في وقت تسعى فيه المجموعة إلى الحفاظ على تقاليد السماع التي تشكل أحد أبرز مظاهر التعبير الروحي لدى الطريقة.

أعضاء المجموعة يكشفون دلالات المشاركة

وقال إبراهيم أفيلال، عضو فرقة السماع التابعة للطريقة القادرية البودشيشية، في تصريح لـ”آش نيوز“، إن مشاركة المجموعة في مهرجان فاس للثقافة الصوفية للسنة الثانية على التوالي تعكس حرصها على تجديد اللقاء مع الجمهور وترسيخ قيم المحبة والسلام التي تقوم عليها رسالتها الفنية والروحية. وأوضح أن اختيار فقرات البرنامج تم وفق تصور يراعي الأسس الروحية للطريقة، ويمنح السماع وظيفته المرتبطة بالذكر واستحضار المعاني الإيمانية، وليس باعتباره مجرد أداء فني منفصل عن سياقه الصوفي.

وشدد أفيلال على أن “السماع لدى الطريقة القادرية البودشيشية يندرج ضمن منظومة الذكر، أي استحضار الله تعالى”، في إشارة إلى الارتباط الوثيق بين الإنشاد والممارسة الروحية داخل الطريقة، حيث تشكل القصائد والأناشيد وسيلة للتعبير عن المحبة الإلهية واستحضار القيم التي تقوم عليها التربية الصوفية.

المجموعة الرسمية البودشيشية

بدوره، أبرز عبد الإله بن داود، عضو المجموعة، أن المشاركة في مهرجان فاس تحظى بأهمية خاصة بالنظر إلى التفاعل الذي تلقاه عروض الطريقة من سكان المدينة والزوار الوافدين من مختلف المناطق، مشيرا إلى أن الوصلات المقدمة تجمع بين الذكر والمديح والدعاء، وتسعى إلى خلق لحظات من التأمل والتواصل الوجداني مع الجمهور.

وأوضح بن داود أن “السماع والذكر يشكلان رابطة روحية تتيح التقرب إلى الله وإحياء مشاعر المحبة الإلهية والشوق إلى رسول الله، من خلال الأناشيد والإبداعات الفنية”، مؤكدا بذلك أن المجموعة تنظر إلى السماع باعتباره ممارسة تجمع بين التعبير الفني والبعد الروحي، وتسهم في نقل جانب من الموروث الصوفي إلى الجمهور.

حضور صوفي يتجاوز حدود المغرب

وشهدت الأمسية حضور عدد من الشخصيات الوازنة، من بينها قيس بن يحيى، الحاجب الملكي، إلى جانب سفراء ودبلوماسيين أجانب، وشخصيات من الأوساط الثقافية والفكرية، فضلا عن شعراء وكتاب ومثقفين مغاربة وأجانب. وعكس تنوع الحضور، الذي جمع شخصيات رسمية ودبلوماسية وأدبية، الاهتمام الذي تحظى به التظاهرات الثقافية ذات البعد الروحي، كما أبرز مكانة مدينة فاس فضاء للتبادل الثقافي والحوار بين مختلف التجارب والتقاليد الفكرية والفنية.

المجموعة الرسمية البودشيشية

وتعكس مشاركة الطريقة القادرية البودشيشية في مهرجان فاس للثقافة الصوفية استمرار حضورها ضمن التظاهرات التي تحتفي بالتراث الروحي المغربي، حيث تعمل، بقيادة شيخها معاذ القادري بودشيش، على صون موروثها المرتبط بالذكر والسماع والتربية الروحية، مع الانفتاح على فضاءات ثقافية وفنية تتيح التعريف بهذا التراث لدى جماهير أوسع.

كما تندرج أنشطة الطريقة ومشاركاتها خارج المغرب ضمن جهود التعريف بتقاليد التصوف المغربي، بما تحمله من مضامين مرتبطة بالمحبة والسلام والتواصل بين الثقافات، وهي القيم التي شكلت محورا أساسيا في الوصلات التي قدمتها مجموعة الجمال خلال أمسيتها بفاس.

وتأتي هذه المشاركة ضمن فعاليات الدورة الثامنة عشرة لمهرجان فاس للثقافة الصوفية وحكم العالم، التي تستمر إلى غاية 24 أكتوبر 2026، بمشاركة فاعلين ثقافيين وروحيين وفنانين في برنامج يحتفي بمختلف تجليات الثقافة الصوفية ودورها في مد جسور الحوار بين الشعوب والثقافات.