حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

مع إسدال الستار على بطولة كأس أمم إفريقيا 2025 التي احتضنها المغرب، بات من الضروري قراءة هذا الحدث خارج منطق النتائج الرياضية الضيقة، والوقوف عند ما كشفه من رهانات سياسية وإعلامية حاولت بعض الأطراف استثمارها في اتجاهات بعيدة عن روح التنافس الرياضي المشروع.

أولى المؤشرات التي طبعت هذه النسخة، تمثلت في الحضور السياسي المكثف للجزائر منذ المراحل الأولى لسباق الترشح، حيث تحولت عملية اختيار البلد المنظم إلى معركة إعلامية مفتوحة، استخدمت فيها أدوات التعبئة الداخلية وتوجيه الرأي العام، في مواجهة ترشح مغربي استند إلى معايير موضوعية واضحة، على رأسها الجاهزية اللوجستية، وجودة البنيات التحتية الرياضية والسياحية، ومنظومة نقل حديثة تعد من بين الأكثر تطورا إفريقيا.

خطاب هجومي قبل الحسم

وقبل الإعلان الرسمي عن فوز المغرب بشرف التنظيم، تصاعدت نبرة هجومية غير مسبوقة في الإعلام الجزائري الرسمي، تجاوزت في لحظات عديدة حدود الأعراف الدبلوماسية والروح الرياضية، لتدخل مجال التشكيك والتجريح، بما عكس حجم الرهان السياسي الذي علق على هذا الملف.

ومع خسارة سباق التنظيم، لم تغلق الجزائر هذا الملف، بل انتقلت إلى توظيف الحدث نفسه لمحاولة ضرب صورة المغرب داخليا وقاريا، في سياق سعي واضح لحجب المقارنة بين مساري التنمية في البلدين، وتفادي انعكاس النجاح المغربي على وعي الرأي العام الجزائري.

سرديات التشكيك قبل صافرة البداية

قبيل انطلاق المنافسات، روجت داخل الجزائر روايات جاهزة عن “عدم جاهزية” المغرب، مع تركيز متعمد على بعض الملاعب، في محاولة لبناء صورة قاتمة عن التنظيم. غير أن هذه السرديات اصطدمت بتأكيدات متكررة من مسؤولي الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، الذين شددوا على أن المغرب كان الخيار الأول من حيث الجاهزية والقدرة التنظيمية.

وتزامن ذلك، وفق تقارير متقاطعة، مع نشاط مكثف لما يعرف بالجيش الإلكتروني الجزائري، سعى إلى تأجيج توترات داخلية والتشويش على التنظيم، غير أن هذه المحاولات فشلت أمام ارتفاع منسوب الوعي المجتمعي، وحسن تدبير السلطات المغربية للحدث.

افتتاح أربك الخطاب المقابل

وجاء افتتاح ملعب الأمير مولاي عبد الله بحلته الجديدة، وإنجازه في زمن قياسي وبأطر وشركات مغربية خالصة، ليشكل لحظة مفصلية أربكت الخطاب المقابل، وأدخل الإعلام الجزائري في حالة صمت لافت.

ومع انطلاق المنافسات، تواصل توظيف البطولة لتغذية خطاب عدائي، غير أن الوقائع الميدانية قلبت المعادلة، حيث تحولت بعض السلوكيات والأحداث المتداولة إعلاميا إلى عنصر مس بصورة الإعلام والجمهور الجزائري، وتداولتها منصات دولية، مانحة المغرب نقاطًا إضافية في معركة الصورة والتدبير.

صدمة الجمهور الجزائري القادم من أوروبا

في المقابل، أسهم حضور جماهير جزائرية قادمة من أوروبا في نقل صورة مغايرة للسردية الرسمية، بعد معاينتها المباشرة لمستوى التطور الذي بلغته المملكة، ولسلوك المغاربة القائم على الاحترام وحسن الاستقبال، ما شكّل صدمة إضافية للرواية الداخلية.

رياضيًا، كشفت البطولة محدودية الأداء الجزائري، وجاء الإقصاء المبكر ليعكس هشاشة السياسات الكروية المعتمدة، مقابل تجربة مغربية قائمة على رؤية طويلة المدى، وأطر وطنية، واستثمار منهجي في التكوين، توج بحضور عالمي تحت مظلة الاتحاد الدولي لكرة القدم.

خطاب تبريري بلا مراجعة

وعوض أن يقود هذا الواقع إلى مراجعة ذاتية، استمر الخطاب التبريري ذاته، بإلقاء مسؤولية الإخفاق على “التحكيم” و“التآمر”، رغم أن تصريحات بعض اللاعبين الجزائريين أنفسهم اتجهت نحو الاعتراف بقوة المنافسين.

في المحصلة، خرج المغرب من هذه النسخة رابحا على أكثر من مستوى، تنظيم محكم، إشادة دولية، انتعاش اقتصادي وسياحي، وترسيخ صورة دولة قادرة على احتضان التظاهرات الكبرى. كما شكّل “كان 2025” اختبارًا عمليًا للاستعداد لـ كأس العالم 2030، وكشف في الوقت ذاته حدود الخطابات العدائية التي لم تُفلح إلا في تعرية أصحابها.