حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

في مؤشر جديد على تزايد الضغوط الدولية لإعادة ضبط مسار نزاع الصحراء، كشفت معطيات دبلوماسية وأممية أن المشاورات الأخيرة التي احتضنتها العاصمة الأمريكية واشنطن يومي 23 و24 فبراير الماضي أعادت وضع مسألة الاستقرار الميداني في صلب النقاش السياسي، وسط انتقادات متصاعدة للسلوك التصعيدي الذي تنتهجه جبهة البوليساريو منذ سنوات.

وتفيد المعطيات ذاتها بأن هذه اللقاءات ركزت بشكل واضح على ضرورة العودة إلى الالتزام الصارم باتفاق وقف إطلاق النار، باعتباره المدخل الأساسي لأي مسار تفاوضي جدي تحت إشراف الأمم المتحدة، في ظل قناعة متزايدة داخل الدوائر الدولية بأن استمرار التوترات الميدانية ينسف أي إمكانية لإطلاق مفاوضات ذات مصداقية.

ضغوط دولية لوقف سياسة التصعيد

وتعكس المواقف التي طرحت خلال هذه الاجتماعات توجها واضحا داخل عدد من العواصم المؤثرة، وعلى رأسها واشنطن، نحو إنهاء حالة الغموض التي تحاول جبهة البوليساريو فرضها منذ إعلانها الانسحاب من اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر 2020، وهو القرار الذي اعتبرته أطراف دولية خطوة أحادية ساهمت في تأجيج التوتر في المنطقة.

ويبدو أن الرسالة التي وجهتها الولايات المتحدة خلال هذه المشاورات كانت مباشرة: لا يمكن الحديث عن مسار سياسي جدي في ظل استمرار التهديدات العسكرية ومحاولات فرض أمر واقع ميداني.

هذا التوجه يعكس إدراكا متزايدا لدى القوى الدولية بأن استراتيجية التصعيد التي تتبعها البوليساريو لم تعد تحظى بأي تعاطف دولي، خاصة بعدما اتضح أن هذه التحركات لا تخدم سوى تعقيد المسار السياسي وإبقاء النزاع في حالة جمود دائم.

محاولة إعادة الانضباط إلى المسار الأممي

إعادة التركيز على تثبيت التهدئة الميدانية لا تندرج فقط في إطار ضبط الوضع الأمني، بل تأتي أيضا في سياق محاولة إنقاذ المسار الأممي من حالة الشلل التي عاشها خلال السنوات الأخيرة.

فبعثة الأمم المتحدة في الصحراء، المعروفة بـ”المينورسو“، تواجه تحديات متزايدة في أداء مهامها بسبب التوترات التي تحاول البوليساريو افتعالها بشكل متكرر، وهو ما دفع عددا من القوى الدولية إلى التشديد على ضرورة إعادة الانضباط إلى قواعد الاشتباك التي حددها اتفاق وقف إطلاق النار.

كما أن تثبيت الاستقرار الميداني يعتبر شرطا أساسيا لإعادة إطلاق أي جولة مفاوضات جديدة، خاصة بعد سنوات من الجمود السياسي الذي رافق هذا الملف.

رسالة سياسية للبوليساريو

وتحمل التحركات الأمريكية الأخيرة في طياتها رسالة سياسية واضحة مفادها أن المجتمع الدولي لم يعد مستعدا للتعامل مع سياسة الابتزاز العسكري التي تحاول البوليساريو استخدامها كورقة ضغط في النزاع.

فالتطورات الإقليمية والدولية، إلى جانب التحولات التي يعرفها ملف الصحراء على مستوى الدعم الدولي لمبادرات الحل الواقعي، جعلت هامش المناورة أمام الجبهة الانفصالية يضيق بشكل متزايد.

كما أن التركيز على التهدئة يعكس قناعة متنامية لدى عدد من الفاعلين الدوليين بأن أي حل سياسي مستدام لا يمكن أن يبنى فوق أرضية التوتر العسكري أو الخطاب التصعيدي.

الانتقال نحو منطق الواقعية السياسية

في القراءة الأوسع لهذه التطورات، يبدو أن المجتمع الدولي يسعى إلى فرض منطق جديد في إدارة النزاع، يقوم على الانتقال من مرحلة التصعيد الإعلامي والعسكري إلى مرحلة الواقعية السياسية.

فالتأكيد المتكرر على ضرورة احترام وقف إطلاق النار يضع البوليساريو أمام اختبار حقيقي يتعلق بمدى استعدادها للتخلي عن خطاب المواجهة والعودة إلى طاولة الحوار وفق مقاربة واقعية تأخذ بعين الاعتبار موازين القوى والتحولات الجيوسياسية التي يشهدها الملف.

وفي ظل هذه المعطيات، يتضح أن مستقبل المسار السياسي في نزاع الصحراء أصبح مرتبطا بشكل وثيق بمدى قدرة الأطراف المعنية على احترام قواعد الاستقرار الميداني، وهو ما يجعل الضغوط الدولية الحالية خطوة أساسية نحو إعادة توجيه هذا الملف نحو مسار أكثر واقعية واستقرارا.