شهدت الساحة الأمنية في منطقة الساحل تطورا لافتا بعد الهجوم الواسع الذي استهدف مواقع للجيش المالي في الشمال والعاصمة باماكو، في عملية منسقة نفذتها جماعات مرتبطة بتنظيم القاعدة إلى جانب فصائل انفصالية. هذا التصعيد المفاجئ لم يكتف بإعادة مشهد الفوضى إلى الواجهة، بل وضع الجزائر في قلب الجدل مجددا، خصوصا في ظل توقيت دقيق يتزامن مع تحركات دولية لإعادة ترتيب الأمن الإقليمي.
الهجوم الذي وصفته تقارير دولية بأنه الأكبر منذ سنوات، جاء مباشرة بعد إعلان واشنطن عن جولة دبلوماسية يقودها نائب وزير الخارجية الأمريكي كريستوفر لاندو إلى كل من المغرب والجزائر، بهدف بحث سبل تثبيت الاستقرار في المنطقة. وصول المسؤول الأمريكي إلى الجزائر مرفوقًا بقائد القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا يعكس بوضوح أن ملف الأمن في الساحل بات على رأس الأولويات، لكنه في الوقت ذاته يضع الجزائر أمام اختبار حقيقي بين خطابها الرسمي وواقع الأوضاع على الأرض.
الجزائر بين خطاب الاستقرار وواقع التوتر
وتقدم الجزائر نفسها منذ سنوات كفاعل رئيسي في ضمان الاستقرار في الساحل، غير أن التطورات الأخيرة في مالي تكشف تناقضا صارخا بين هذا الخطاب والنتائج الميدانية. فبدل أن تشهد المنطقة تهدئة، انفجرت الأوضاع بشكل غير مسبوق، ما يطرح تساؤلات جدية حول فعالية (أو حتى نوايا) الدور الجزائري في هذا الملف.
ويعود منعطف التوتر أساسا إلى قرار السلطات المالية في 2024 التخلي عن اتفاق السلم والمصالحة الموقع سنة 2015 تحت رعاية الجزائر، وهو الاتفاق الذي اعتبرته باماكو لاحقًا عبئًا على سيادتها أكثر منه حلًا للأزمة. هذا القرار شكّل ضربة قوية للنفوذ الجزائري في المنطقة، وأعاد رسم موازين القوى، خصوصا مع توجه مالي نحو مقاربة داخلية مستقلة بعيدا عن أي وصاية خارجية.
اتهامات مباشرة وتوتر غير مسبوق
ودخلت العلاقة بين باماكو والجزائر مرحلة غير مسبوقة من التوتر، بعدما اتهمت السلطات المالية الجزائر بشكل صريح بالتدخل في شؤونها الداخلية، بل وذهبت أبعد من ذلك باتهامها بدعم جماعات مسلحة تنشط في الشمال. في المقابل، لم تخف الجزائر رفضها للسلطات الانتقالية في مالي، ووصفتها بالنظام “الانقلابي”، في موقف يعكس عمق الخلاف السياسي بين الطرفين.
ما زاد من حدة الجدل، هو التفاعل الإعلامي الجزائري مع الهجمات الأخيرة، حيث بدا في بعض التغطيات نوع من الترحيب الضمني بتدهور الأوضاع في مالي، وهو ما اعتبره مراقبون مؤشرا مقلقا يعزز فرضية وجود مصالح جزائرية في استمرار حالة عدم الاستقرار.
رسائل مبطنة إلى واشنطن
وتزامن الهجمات مع زيارة المسؤول الأمريكي يفتح الباب أمام قراءات تعتبر ما حدث محاولة غير مباشرة لإعادة فرض الجزائر كلاعب لا يمكن تجاوزه في معادلة الساحل. فالتصعيد الأمني، في هذا السياق، قد يستخدم كورقة ضغط لإقناع واشنطن بأن أي استقرار في المنطقة يمر حتما عبر البوابة الجزائرية، رغم فشل هذه المقاربة سابقا.
في خلفية هذا المشهد، يبرز عامل آخر لا يقل أهمية، يتمثل في القلق الجزائري المتزايد من الحضور المغربي المتنامي في إفريقيا، سواء على المستوى الدبلوماسي أو الاقتصادي. مشاريع استراتيجية مثل أنبوب الغاز المغربي-النيجيري ومبادرة الولوج إلى المحيط الأطلسي تمنح الرباط موقعا متقدما في معادلة الساحل، وهو ما يبدو أنه يثير انزعاج الجزائر ويدفعها لمحاولات إعادة التموضع بأي ثمن.
معطيات تزيد من تعقيد الصورة
وتحدثت تقارير إعلامية دولية أيضا عن دور جزائري في تسهيل انسحاب عناصر روسية من مدينة كيدال عقب الهجمات، في إطار تنسيق مع موسكو، وهو معطى يعزز صورة الجزائر كفاعل يتحرك في الظل أكثر مما يعلن في العلن، ويطرح تساؤلات إضافية حول طبيعة أدوارها الحقيقية في المنطقة.
في المحصلة، تكشف التطورات الأخيرة في مالي أن معركة النفوذ في الساحل لم تعد مجرد تنافس دبلوماسي، بل تحولت إلى صراع معقد تتداخل فيه الحسابات الأمنية والسياسية، مع بروز الجزائر كطرف مثير للجدل، يواجه اتهامات متزايدة بتغذية الأزمات بدل احتوائها.


