بينما يتحرك المغرب بخطى حثيثة نحو مستقبل رقمي، وتحديات اقتصادية عالمية، ومشاريع كبرى تتطلب نفسا شبابيا وعقليات مرنة، يبدو أن الزمن قد توقف داخل مقار الأحزاب السياسية. المشهد اليوم لا يعكس دينامية المجتمع، بل يقدم صورة قاتمة عن أحزاب تحولت إلى “ضيعات خاصة” لزعامات تاريخية ترفض الترجل، سواء في أقصى اليمين المحافظ أو في أقصى اليسار “التقدمي”.
الخلل لم يعد مجرد ملاحظة عابرة، بل صار أزمة بنيوية تهدد المسار الديمقراطي برمته، وتساهم في تعميق فجوة الثقة بين المواطن وصندوق الاقتراع.
أحزاب الإسلام السياسي: صراع “الشخصنة” والعودة للوراء
في المعسكر الإسلامي، وتحديدا داخل حزب العدالة والتنمية، نجد نموذجا صارخا لتشبث “الزعيم الكاريزمي”. فبعد السقوط المدوي في انتخابات 2021، كان من المتوقع أن يفتح الحزب الباب أمام جيل جديد للمراجعة والنقد. وبدلاً من ذلك، عاد عبد الإله بنكيران إلى الواجهة، متمسكاً بكرسي الأمانة العامة.
مكمن الخلل: الحزب الذي كان يتفاخر بـ”المؤسساتية”، صار يدور اليوم حول خطب الزعيم ومواقفه الشخصية التي غيبت النقاش البرنامجي الجاد، مما جعل الحزب يبدو كأنه يعيش على أطلال الماضي، بل وعاد إلى تاريخ بعيد يبرز انفصاله الهوياتي عن أرض المغرب وتشبثه بحلم الخلافة في عصر الرقمنة عاجزاً عن تقديم بديل واقعي يواكب مغرب 2026.
اليسار المغربي: شعارات الحداثة وواقع التكلس
على الضفة الأخرى، لا يبدو حال اليسار أفضل. فرغم شعارات “التشبيب” و”الحداثة”، تعيش أحزاب مثل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية حالة من الجمود القيادي المزمن. إدريس لشكر، الذي استنفد ولاياته وصلاحياته، لا يزال يمسك بزمام الأمور بقبضة من حديد، وسط اتهامات بـهندسة القوانين الأساسية للبقاء في المنصب.
هذا التشبث أدى إلى نزيف حاد، حيث نجد نماذج لمشاكل مرتبطة بـ”الإقصاء الممنهج” لكل الأصوات الشابة أو المعارضة.. النتيجة هي يسار مشتت، يفتقر للجاذبية الجماهيرية، ويقوده جيل يرفض الاعتراف بأن لغة السبعينيات لم تعد صالحة للتواصل مع شباب “جيل زد”.
لماذا يرفضون الرحيل؟
إن تشبث هذه القيادات بالكراسي ليس مجرد حب في السلطة، بل هو تعبير عن غياب الديمقراطية الداخلية. وهذا ما يجعلنا أمام ريع سياسي تتحول فيه المناصب الحزبية إلى وسيلة للوجاهة الاجتماعية والامتيازات المباشرة وغير المباشرة. كما يبرز في هذا السياق صدى لحن “أنا وحدي نضوي البلاد” حيث يغيب خلف القيادات التاريخية التي تمارس التصحير من حولها؛ فهي لا تسمح ببروز كفاءات قد تنافسها مستقبلا.
واضعين أمامهم الشرعية التاريخية مقابل الشرعية الإنجازية، حيث الرهان على “النضال القديم” لتبرير الوجود الحالي، وتجاهل الفشل في تقديم حلول لمعضلات البطالة، التعليم، والصحة.
الحاجة إلى “صدمة” قانونية:
إن استمرار هذا الوضع يعني استمرار العزوف السياسي. المغرب اليوم يحتاج إلى أحزاب حقيقية لا “دكاكين انتخابية” يديرها شيوخ بذهنية القرون الماضية. الحل قد لا يأتي من الداخل، بل عبر تعديل قانون الأحزاب لفرض “تحديد الولايات” بشكل صارم لا يقبل التأويل، ومنع الجمع بين القيادة الحزبية لمدد طويلة، لضمان تداول حقيقي للسلطة يضخ دماءً جديدة في عروق الحياة السياسية الوطنية.
هل تدرك هذه الزعامات أن “الانسحاب في القمة” أشرف من الطرد عبر “صناديق المهملات” التاريخية؟ الواقع يقول إنهم لا يسمعون إلا صدى أصواتهم في القاعات المغلقة.
بقلم: صفاء بولجداد (باحثة في السوسيولوجيا)


