يستعد قطاع تربية الماشية بالمغرب لدخول مرحلة جديدة من الإصلاحات والتدابير الرامية إلى إعادة بناء القطيع الوطني من الأغنام واستعادة التوازن داخل السوق، بعد فترة اتسمت بتراجع العرض وارتفاع الأسعار وظهور اختلالات أثرت بشكل مباشر على وفرة الأضاحي. وتراهن الأوساط المهنية على أن تسهم هذه الإجراءات في معالجة الأسباب البنيوية التي أفرزت الوضع الحالي وضمان استقرار أكبر للقطاع مستقبلا.
ورغم أن الإحصاء الرسمي الأخير أظهر توفر حوالي ستة ملايين رأس من الأغنام مقابل طلب يناهز 5.5 ملايين رأس خلال عيد الأضحى، فإن المؤشرات الميدانية أبانت عن وجود فجوة واضحة بين المعروض والحاجيات الفعلية، ما دفع العديد من المتتبعين إلى التساؤل حول طبيعة هذه الاختلالات والعوامل التي تقف وراءها.
المجازر والدعم غيرا معادلة السوق
ويعزو مهنيون هذا الوضع إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها الارتفاع المستمر في أسعار اللحوم الحمراء، الذي شجع العديد من المربين على توجيه جزء من قطعانهم إلى المجازر بدل الاحتفاظ بها لسوق الأضاحي. كما ساهمت الزيادة المتواصلة في تكاليف الأعلاف في تعقيد أوضاع المربين، في وقت أثرت فيه الشائعات المرتبطة بإمكانية إلغاء الذبح خلال عيد الأضحى على قرارات العديد منهم.
وفي السياق نفسه، أدت برامج دعم إناث الأغنام إلى احتفاظ عدد من الكسابة بالرؤوس المستفيدة من الدعم، بما فيها الإناث المتقدمة في السن، الأمر الذي ساهم في تقليص العرض المتاح من الأكباش المخصصة للأضاحي وأثر على توازن السوق خلال الموسم الماضي.
تحديات تتعلق بجودة القطيع
ويؤكد متابعون أن الأرقام الرسمية الخاصة بالقطيع الوطني لا تعكس بالضرورة عدد الرؤوس المؤهلة فعليا للتسويق كأضاح، إذ إن جزءا من هذه الماشية لا يستجيب للشروط المطلوبة بسبب التقدم في السن أو ضعف البنية الجسدية أو وجود عيوب تمنع عرضها في هذا السوق. كما أن جزءا آخر يستهلك طوال السنة في الأعراس والمناسبات المختلفة، ما يقلص من الأعداد المتاحة خلال المواسم الدينية.
وتشير المعطيات المتداولة كذلك إلى أن عددا كبيرا من الأكباش التي كانت معدة لعيد الأضحى الماضي تم توجيهها إلى المجازر بسبب الطلب المرتفع على اللحوم، فضلا عن تخوف المربين من انخفاض قيمتها التجارية مع التقدم في العمر.
إصلاحات هيكلية مطلوبة
وخلال السنوات الأخيرة، عرف القطاع تحولات مهمة تمثلت في انتقال جزء متزايد من الإنتاج إلى مزارع حديثة تعتمد التربية داخل الحظائر والأعلاف المركبة، بدل الرعي التقليدي الذي كان أقل كلفة. وقد أدى هذا التحول إلى ارتفاع مصاريف الإنتاج بشكل كبير، ما انعكس على الأسعار النهائية للماشية واللحوم.
وفي الوقت نفسه، يواصل الوسطاء لعب دور أساسي في تموين الأسواق الوطنية، مستفيدين من قدرات مالية وتنظيمية تسمح لهم بنقل القطعان بين مختلف المناطق، وهي القدرات التي لا تتوفر غالبا لدى المربين الصغار.
حلول مقترحة لمستقبل القطاع
وفي مواجهة هذه التحديات، تتعالى الأصوات المطالبة بإعادة النظر في السياسات المعتمدة لتطوير قطاع تربية الأغنام، من خلال تشجيع استيراد إناث الأغنام الحوامل ومواكبة المربين للحفاظ عليها وتعزيز التكاثر. كما يوصي مختصون بإدخال سلالات جديدة ذات إنتاجية مرتفعة وتوسيع استخدام التلقيح الاصطناعي لتحسين المردودية الوراثية للقطيع الوطني.
ويؤكد المهنيون أن نجاح هذه الإجراءات من شأنه أن يساهم في زيادة إنتاج اللحوم الحمراء، وتعزيز الأمن الغذائي، وإعادة التوازن إلى سوق الأضاحي، بما يضمن استقرار الأسعار وتحسين أوضاع المربين والمستهلكين على حد سواء.


