المتتبعون للخلافات داخل الزاوية القادرية البودشيشية حائرون، يتساءلون، من هو شيخها الجديد؟ هل هو الشيخ منير، “مول الوصية”، الذي مرة يتنازل عن المشيخة ومرات يتشبث بها في لعبة تشبه “طوم وجيري”؟ أم هو الشيخ معاذ، الابن الأصغر، الذي يعتبره العديد من المريدين الأحق بالمشيخة، لأنه تربية الشيخ حمزة، وصاحب “السر” الحقيقي الذي وضعه جده فيه، قبل والده المتوفى.
المنتصرون للشيخ منير، وهو بالمناسبة شخص حداثي و”كول” حسب ما يقوله عنه المقربون، متمسكون بالوصية التي تركها والده الشيخ جمال، ويعتبرون أن الخروج عنها هو خروج عن الطريقة وضرب لعمقها الروحي والديني. وسؤال الاستحقاق بالنسبة إليهم غير مطروح بتاتا. فما دامت الوصية لمنير، فالشيخ هو منير، وانتهى الكلام.
المنتصرون لمنير أنفسهم، ينتقدون وزير الأوقاف أحمد التوفيق لتدخله في شأن الزاوية وتفضيله الشيخ معاذ على أخيه الأكبر، صاحب الوصية، متناسين أن الرجل معين من طرف الملك، ومحل ثقته، ووزارته وزارة سيادة، وأن الأمن الروحي للمغاربة يدخل في إطار مؤسسة إمارة المؤمنين، والتي هي أكبر من كل وصية ومن كل مشيخة ومن كل انتماء عقدي أو توجه ديني. وإلا فإننا نصبح في دولة داخل الدولة، وهي مسألة خطيرة إذا تم التسامح معها، خاصة في ظل تداول معطيات عن تحكم تيار “العدل والإحسان” في شؤونها، وهي الجماعة المعارضة للنظام، والتي ترفض الاشتغال من داخل المؤسسات، وتجمع بين التصوف و”التسيس”، في انتظار “القومة” التي “بشّر” بها شيخهم الراحل.
ثم هل الوصية التي يتمسك بها منير وأتباعه، تكفي لنضع أمور زاوية من أكبر الطرق الصوفية في المغرب وفي المنطقة، وأشدها تأثيرا في الناس، في يد شيخ غير مؤهل لها، ليس عليه إجماع، لا من المريدين ولا من العائلة، ويحيط به أشخاص مشكوك في امتداداتهم، ولا يحظى بثقة “رجال البلاد”، وإلا لكان الأمر محسوما منذ البداية وكفى البودشيشيين شر الخلاف؟ وهل من الضروري أن نتبع وصية رجل رحل عن دنيا الناس، ونتمسك بتلابيبها حتى ولو كانت ستشتت الشمل وتفاقم العداوة وتزرع التفرقة والكراهية في النفوس؟ ثم من قال إن الشيخ جمال أوصى لمنير بالمشيخة لمعرفته بكفاءته وأحقيته؟ “شكون قال”، أنه اختاره لأن الابن الأكبر، عند المغاربة عموما، يكون مفضلا ومدللا وغالبا ما يؤدي به “الفشوش العوج” إلى “الفلاس”؟
وحتى إذا كانت للزاوية تقاليدها وطقوسها وقوانينها التي على الجميع الالتزام بها، بدون نقاش، فهي لا تعلو على مصلحة الدولة وعلى إمارة المؤمنين، التي تبقى لها الكلمة الفصل في كل ما يتعلق بالشأن الديني والروحي للمغاربة، بودشيشيين أو غيرهم. أم أن وصية الشيخ جمال لدى تابعي ومريدي منير أهم وأقدس؟ لأننا في هذه الحالة، سنكون أمام تمرد بدأ ضمنيا ومن “تحت الدف” ويتحول اليوم إلى ملامح Bras de fer خطير.
إن التصوف صمام أمان للمملكة، لأنه ينبذ التطرف والعنف الديني ويعلي قيم الروحانية والسلام الداخلي والتسامح والانفتاح على الآخر، بعيدا عن الصراع السياسي الذي دخلت معمعته بعض الأحزاب مرتدية جلباب التقوى والدين لاستقطاب الناخبين، أو تستعمله بعض الجماعات الدينية التي تريد أن تصنع مغربا على مقاس هرطقاتها. لكن يبدو أن الشيخ منير القادري البودشيشي، يريد أن يحيد به عن “الطريق”، ليوظفه في الرياضة والسياسة والتجارة والفن وأشياء أخرى هو ومن يعرفه، أعلم بها.
ثم فوق كل هذا وذلك، يكفي لأي ملاحظ جيد أو صاحب فراسة، مشاهدة “فيديوهات” الشيخين، وتحركاتهما وردات فعلهما، ليعرف الفرق بين منير “كيوت” ونزق ومتعجرف و”ضويسر”، ومعاذ جلل وصاحب كاريزما وقبول و”مبشور”. هي قراءة عاطفية فعلا وليست مجردة، ولكن لا يمكنها إلا أن تكون كذلك، لأن الأمر يتعلق ب”السر” الإلهي، الذي يخص به الخالق المصطافين فقط من عباده. والأكيد أن سيدي معاذ، واحد منهم. وذلك يكفيه ليكون الأحق والشرعي والمرضي عنه من ربه ومن ملكه.


