حجم الخط + -
5 دقائق للقراءة

يطل علينا “بيلماون” كل عام، ليرتدي جلود الأضاحي ويعيد صياغة الزمن. إنه ليس مجرد قناع للفرجة أو تسلية عابرة، بل هو كائن برزخي يعبر بنا من عوالم الأسطورة السحيقة إلى قلب العصر الرقمي، حاملا في جلوده الكثيفة رائحة الطين والدم والتحرر.

تحظى هذه الاحتفالية بذكاء أنثروبولوجي لافت، حيث درسها عدد من الباحثين كطقس عبور وفرجة شعبية محملة بالرموز التي تمثل صراعا أزليا بين المقدس والمدنس، الطبيعة والثقافة، والتحرر المؤقت من القيود الاجتماعية. فكيف استطاع طقس تنكري، ولد في أحضان تقديس الخصوبة الفلاحية، أن ينجو من مقصلة التحولات العقائدية الكبرى، ويعبر بسلام فوق جسر التشدد، ليصل إلى مغرب اليوم بكامل عنفوانه الرمزي، مجسدا في الآن ذاته قيم الاعتدال والوسطية والخصوصية الثقافية للمملكة؟

صيرورة “التوفيق العقائدي”: عبقرية الإسلام المغربي

من خلال تفكيك الصيرورة التاريخية لهذا الطقس، نجد أن التغيير الذي طرأ على “بيلماون” لم يمس جوهره البنيوي، بل شمل لافتاته الأيديولوجية، إذ انتقل من سياقه ما قبل الإسلامي، المرتبط بالتقويم الشمسي والفلاحي، وتحديدا بالانقلاب الشتوي (ليلة إيض يناير) كأطول ليلة في السنة حيث “تموت” الشمس رمزيا، أو في أواخر الصيف، تزامنا مع نهاية موسم الحصاد، شكرا للأرض، (انتقل) إلى سياقه المعاصر المرتبط بالتقويم الهجري، وتحديدا بالأيام الثلاثة التي تلي عيد الأضحى.

هذا التحول قاد بالضرورة إلى تبدل في المرجعية العقائدية. فبعد أن كان طقسا أحيائيا (Animist) يعتمد على تقديس قوى الطبيعة ويهدف لاستدرار المطر وتخصيب الأرض، أصبح اليوم طقسا احتفاليا شعبيا يستمد شرعيته المادية من جلود “أضحية العيد” المقبولة دينيا. وحتى طبيعة القربان نفسه تحولت من دم وجلد حيواني يذبح تقربا لآلهة الطبيعة والخصوبة، إلى دم وجلد الأضحية المذبوحة امتثالا للسنة الإبراهيمية والشرع الإسلامي.

إن هذا الامتداد يعيدنا إلى مفهوم “التوفيق العقائدي” (Syncretism) الذي ناقشه الأنثروبولوجي الفرنسي إدموند دوتي في كتابه “السحر والدين في شمال إفريقيا”. وهنا تتجلى خاصية الاعتدال والوسطية في الإسلام المغربي. فهو إسلام حيواتي، منفتح، ومرن، لم يقم على إقصاء الهويات المحلية أو استئصال الموروث الثقافي للشعوب، بل قام ب”استيعابه” وتهذيبه.

لقد مارس الإنسان الأمازيغي بتناغم مع روح الدين ذكاء ثقافيا نادرا. وبدلا من الصدام، جرى “ترحيل” الطقس من زمن يناير الفلاحي إلى زمن ذي الحجة الديني، ليتحول الفرح بالحصاد القديم إلى فرح بتمام شعيرة العيد، في توليفة روحية وثقافية فريدة تؤكد أن التدين المغربي تاريخيا يرفض التشدد والجفاء الجاف.

مسرح الشارع: شخصيات الطقس وأدوارها الأنثروبولوجية

في كتابه “المعتقدات السحرية في المغرب”، في نص عنوانه “طقوس طرد الشر والخصائص السحرية للحيوانات”، يوضح الأنثروبولوجي مصطفى واعراب أن موكب بيلماون هو “مسرح مقلوب” يسمح فيه بكسر الطابوهات. هذا المسرح يتحرك بفضل شخوص محددة الأدوار والمخيال الشعبي: بيلماون (بوجلود) أو القوة الخام والبرزخية، هو الشخصية المحورية، يرتدي جلودا غير مدبوغة ويغطي وجهه بالفحم ويحمل قوائم الشاة “الكراعين”. يمثل العودة إلى “الطبيعة البدائية” وتكسير الحدود بين الإنسان والحيوان. ضرباته بالقوائم للمارة هي “طقس خصوبة” وتطهير (Catharsis)، حيث يمتص هذا الكائن طاقة النحس من أجساد الناس ليموت رمزيا في نهاية الاحتفال، فيولد المجتمع نقيا ومعافى.

أما تسليت (العروس)، فشخصية امرأة فائقة الجمال والحسن، ترتدي ملابس تقليدية زاهية وتضع الحناء. تكون تجسيدا للخصوبة والحياة، ومغازلة بوجلود لها ترمز لجدلية استمرار التكاثر بعد طقس النحر. في حين يحيل التاجر موشي أوداي (اليهودي بالأمازيغية) إلى محاكاة الآخر. فهو شخصية تنكرية بملابس تحاكي تجار اليهود المغاربة تاريخيا، إذ يعكس هذا الدور استحضارا للتعددية الثقافية والتاريخية للمجتمع المغربي، وهي طريقة الطقس في هضم “الآخر” والاشتباك معه، فضلا عن تقديم نقد لاذع وجريء لجشع المال والطبقية عبر كوميديا سوداء مقبولة اجتماعيا خلال العيد.

ويحيل أمغار المخزني على تفكيك السلطة. ويتعلق الأمر بشخص يحاكي رجال القانون بزي رسمي مستعار، يعقد “محاكمات عشوائية وهزلية” للمارة، ويمثل التحرر المؤقت من هيبة السلطة. فخلال أيام بيلماون، تسقط الصرامة المجتمعية، ويصبح بإمكان الفئات المهمشة أن تحاكم القاضي وتسجنه ساخرة، مما يحقق توازنا نفسيا وتنفيسا للاحتقان الاجتماعي.

أما الطالب أو الشيخ (ميزان الحكمة) فهو رجل يرتدي جلبابا أبيض ولحية بيضاء مستعارة، يحاول ضبط الموكب وتقديم النصائح أو “البركات”. وسط الفوضى العارمة والتحرر، تأتي هذه الشخصية لإعادة التذكير بالمرجعية الأخلاقية. إنه يمثل “العقل” والوقار” في مواجهة “الغريزة” التي يجسدها بيلماون.

انسجام الطقس مع الرؤية الملكية السامية للتراث

إن استمرار هذا الطقس وتطوره اليوم لا ينفصل عن الرؤية الملكية السامية للملك محمد السادس، والتي تضع صيانة الهوية الوطنية وتثمين الرأسمال اللامادي في صلب المشروع التنموي للمملكة. فالمغرب، بدستوره الذي يقر بالتعددية الثقافية الرافدة (أمازيغية، عربية إسلامية، حسانية، وعبرية…)، يرى في هذه الفنون التراثية عنصرا سياديا وقوة ناعمة.

تتجلى العناية الملكية بالتراث غير المادي في الدفع بمثل هذه الكرنفالات لتتحول من مجرد ممارسات عفوية في الدواوير والأحياء الشعبية إلى رافعة للتنمية المحلية والسياحة الثقافية.

إن إحاطة طقس بيلماون برعاية تنظيمية ومؤسساتية (كما يشهد الزخم الكبير في حواضر سوس كإنزكان وأكادير) يعكس توجيهات جلالته في جعل الثقافة محركا اقتصاديا يصنع الثروة وفرص الشغل للشباب، وفي نفس الوقت حصنا منيعا يحمي الذاكرة الجماعية للمغاربة من الذوبان والاندثار.

من المحلية إلى العالمية: كيف نتحول إلى كرنفال دولي؟

يمتلك بيلماون كل المقومات ليتحول إلى كرنفال عالمي يضاهي كرنفال “ريو دي جانيرو” في البرازيل، أو احتفالات “يوم الموتى” في المكسيك، وذلك عبر إستراتيجية ترتكز على أربعة محاور أساسية تنطلق من ثوابت النموذج المغربي:

1 التسجيل في لوائح اليونسكو واستثمار “سياحة الغموض” تمثل الخطوة الأولى التي تبدأ بانتزاع اعتراف دولي عبر تسجيل طقس بيلماون في قائمة التراث الثقافي غير المادي للبشرية لدى منظمة اليونسكو. هذا الاعتراف يمنح الطقس حماية قانونية وهالة ثقافية تجذب “سياح الأنثروبولوجيا” والباحثين والمصورين العالميين الذين يبحثون عن التجارب الثقافية الأصيلة والغامضة، بعيدا عن المنتجع السياحي الكلاسيكي المستهلك.

2 مأسسة الكرنفال مع الحفاظ على “العفوية الشعبية”، من خلال خلق “أسبوع بيلماون الدولي” عبر تخصيص مسارات محددة وواسعة للمواكب الاستعراضية (Parades) في الساحات الكبرى، مع فتح باب المشاركة لفرق تنكرية دولية تشترك في ثقافة القناع والجلود (مثل طقوس “الماموثونيس” في سردينيا أو “الكامبوس” في النمسا)، ليتحول الحدث إلى ملتقى عالمي للحوار الثقافي، وهو ما يتماشى مع دور المغرب التاريخي كأرض للتلاقح والتعايش.

3 إدماج الصناعات الإبداعية والمعاصرة: فالعالمية تتطلب تقديم التراث بلغة يفهمها إنسان العصر الرقمي. ويمكن تحقيق ذلك من خلال إشراك مصممي أزياء وفنانين تشكيليين مغاربة وعالميين لإعادة تخيل “قناع بيلماون” برؤية سريالية أو مستقبلية إفريقية، مما يثير فضول مجلات الموضة والفن العالمية. يضاف إلى ذلك دمج إيقاعات بيلماون التراثية (الناقوس والتعريجة وصيحات بوجلود) مع الموسيقى الإلكترونية وموسيقى الفيزيون (Fusion) في مهرجانات ضخمة تصاحب الكرنفال.

4 الهوية البصرية والتسويق الرقمي الذكي: لا يمكن جذب السياح دون هوية بصرية قوية. لذلك يجب تسويق بيلماون ك”تجربة تحرر وتطهير نفسية واجتماعية دورية” تبرز التسامح المغربي وقدرة المجتمع على المزج بين الفرح الشعبي والوقار الديني، عبر إنتاج وثائقيات عالية الجودة لمنصات البث العالمية، وصناعة محتوى رقمي يركز على الجانب الجمالي والغموض البصري للأقنعة والجلود.

وجهة سياحية وثقافية قائمة بذاتها

يمكن تحويل بيلماون إلى وجهة سياحية وثقافية قائمة بذاتها. إن بيلماون ليس طقسا جامدا من الماضي، بل هو كائن حي يتنفس، يتغير جلده الخارجي لتبقى روحه الأمازيغية العميقة نابضة، تذكرنا دائما بأن خلف هذا الكائن المغطى بالصوف والفحم، يقبع إنسان يرفض أن تنسى الأرض هويته الأولى. وإذا ما أحيط بالرعاية التنموية والثقافية اللازمة في إطار الرؤية الاستراتيجية للمملكة، فإنه قادر على أن يرفع القناع المغربي إلى مصاف الرموز الثقافية الكونية، ليصبح الكرنفال الذي يحج إليه العالم ليتعلم كيف يتصالح الجسد مع التاريخ، محتفيا بالحياة في ظل إسلام مغربي معتدل يحتضن الفرح والإبداع.

بقلم: صفاء بولجداد (باحثة في السوسيولوجيا)