حجم الخط + -
4 دقائق للقراءة

بينما كانت ألسنة اللهب تلتهم الغابات وتحاصر السكان في عدد من ولايات الشرق الجزائري، خرج الرئيس عبد المجيد تبون يوم أمس السبت، ليتحدث عن احتمال وجود “أياد إجرامية” خلف الحرائق، بعدما وصلت حصيلة الموجة الأخيرة إلى 12 قتيلا، وفق ما أعلنه وزير الداخلية الجزائري، وسجلت الحماية المدنية 123 حريقا خلال 24 ساعة بين 28 و29 غشت 2026، أخمدت 118 منها وبقيت خمسة حرائق مشتعلة.

وقد تثبت التحقيقات وجود فعل إجرامي، حسب تبون، وقد يكون جزء من الحرائق متعمدا بالفعل، لكن السؤال الذي لا ينبغي دفنه تحت رماد فرضية المؤامرة هو كيف لدولة غنية بالغاز، تنفق عشرات المليارات على السلاح وتعبئ مؤسساتها لخدمة جبهة البوليساريو، أن تظل كل صيف أمام المشهد نفسه، قرى مهددة، عائلات تجلى، غابات تحترق، ومواطنون ينتظرون قوافل التضامن لتعويض بطء الوقاية والاستجابة؟

“الأيادي الإجرامية” لا تعفي الدولة

وقال تبون إن سرعة الرياح بلغت 100 كيلومتر في الساعة ومنعت طائرات الإخماد من التدخل، قبل أن يضيف أنه يعتقد بوجود “شيء من الإجرام”. غير أن الرياح، مهما اشتدت، لا تضع ميزانيات الوقاية ولا تحدد عدد الطائرات ولا ترسم خرائط التدخل ولا تجهز المسالك الغابوية. كما أن التحقيق الجنائي، على ضرورته، لا يعوض التحقيق السياسي والإداري في مدى جاهزية الدولة لمواجهة خطر صار دوريا وليس حادثا استثنائيا.

والأرقام الرسمية نفسها تؤكد أن الجزائر لم تكن أمام مفاجأة عابرة. فقد أعلنت الحماية المدنية إخماد 913 حريقا عبر البلاد منذ 8 يوليوز 2026، قبل أن تسجل في موجة 28 و29 غشت 123 حريقا جديدا في ولايات عدة. لذلك، فإن تحويل الأنظار بسرعة إلى “اليد الخفية” قد يفسر نقطة اشتعال، لكنه لا يفسر هشاشة منظومة كاملة أمام خطر متكرر.

مليارات معلنة للسلاح.. وفاتورة مخفية للبوليساريو

لا تنشر الجزائر حسابا مستقلا وشفافا يكشف ما تدفعه سنويا لجبهة البوليساريو. كما لا توجد معطيات رسمية تسمح بالقول، من الناحية المحاسبية الصرفة، إن ما تنفقه على الجبهة يفوق مجموع ما تستثمره داخل البلاد. لكن غياب الرقم لا يعني غياب الكلفة، بل يكشف أن الدعم موزع بين أبواب يصعب تجميعها، تشمل الإيواء فوق التراب الجزائري، والمساندة الدبلوماسية والإعلامية، واستضافة الأنشطة والتكوينات، وتعبئة المؤسسات، فضلا عن الكلفة الأمنية والعسكرية الأوسع المرتبطة باستدامة التوتر مع المغرب.

وفي هذا السياق، قدر معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام “سيبري” الإنفاق العسكري الجزائري سنة 2025 بنحو 25.4 مليار دولار، بزيادة 11 في المائة خلال سنة واحدة، لتصبح الجزائر أكبر منفق عسكري في إفريقيا، فيما مثل الإنفاق العسكري 25 في المائة من مجموع الإنفاق الحكومي، وهي ثاني أعلى نسبة في العالم بعد أوكرانيا. وبطبيعة الحال، ليس هذا المبلغ كله موجها إلى البوليساريو، لكنه يحدد البيئة الاستراتيجية التي يحتل فيها الصراع مع المغرب مكانة مركزية، ويكشف حجم الموارد التي يستهلكها تصور أمني شديد الارتباط بموازين القوة الإقليمية.

ولا يتعلق الأمر بالسلاح وحده. ففي 11 غشت 2026، جدد رئيس مجلس الأمة الجزائري عزوز ناصري ما وصفه بـ”الدعم الثابت” للموقف الذي تتبناه البوليساريو، وذلك خلال جامعة صيفية لأطر الجبهة احتضنتها جامعة عمومية في بومرداس واستمرت عشرة أيام. هنا لا تعود القضية موقفا دبلوماسيا مجردا، بل تتحول إلى سياسة دولة تشارك فيها الجامعة والإعلام والبرلمان والدبلوماسية ومؤسسات أخرى.

المواطن الجزائري في ذيل سلم الأولويات

المفارقة أكثر قسوة حين توضع هذه التعبئة إلى جانب المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية. فبحسب البنك الدولي، بلغ معدل البطالة في الجزائر 12.7 في المائة سنة 2024، وقفز إلى 29.3 في المائة وسط الشباب بين 15 و24 سنة، فيما بلغ 25.4 في المائة لدى النساء. كما ظلت المحروقات تمثل، في المتوسط بين 2019 و2023، نحو 83 في المائة من الصادرات و47 في المائة من إيرادات الميزانية.

أما صندوق النقد الدولي، فتوقع بلوغ عجز الميزانية 11.5 في المائة من الناتج الداخلي الخام سنة 2025 و12.4 في المائة سنة 2026. أي إن الدولة التي توسع إنفاقها العسكري وتتمسك بخصومة إقليمية مكلفة تفعل ذلك في وقت تحتاج فيه إلى تنويع اقتصادها، وخلق وظائف لشبابها، وتقوية الحماية المدنية، وتحديث البنيات الصحية، وبناء منظومة أكثر قدرة على مواجهة الحرائق والجفاف والفيضانات.

القول إن هذا الاختيار لا يؤثر في معيش الجزائريين لأن ميزانية الدفاع منفصلة عن ميزانيات التنمية تبسيط مضلل. فالمال العام، مهما تعددت أبوابه، يعكس في النهاية سلما واحدا للأولويات. وكل مليار يوجه إلى سباق التسلح، وكل طاقة دبلوماسية تهدر في معارك ضد الوحدة الترابية للمغرب، وكل مؤسسة عمومية تسخر لإدامة مشروع انفصالي، لها كلفة فرصة ضائعة كان يمكن أن تذهب إلى طائرات الإطفاء، أو حماية الغابات، أو تشغيل الشباب، أو دعم المناطق الهشة.

قضية خارجية تؤدي وظيفة داخلية

وسياسيا، لم تعد البوليساريو مجرد ورقة تفاوضية في يد الجزائر، بل أصبحت جزءا من العقيدة التي تبرر استمرار التوتر وتمنح المؤسسة العسكرية موقعها المركزي داخل الحكم. فوجود خصم خارجي دائم يسمح للنظام بإعادة ترتيب النقاش الداخلي حول “الأمن القومي” بدلا من المحاسبة على البطالة والبيروقراطية وضعف التنويع الاقتصادي وتفاوت التنمية بين المناطق.

لهذا يصر الخطاب الرسمي الجزائري على تقديم النزاع باعتباره مسألة مبدئية لا علاقة لها بالمنافسة مع المغرب، بينما تكشف كثافة التعبئة السياسية والدبلوماسية والإعلامية أن الملف يؤدي وظيفة جيوسياسية واضحة: إنهاك المغرب، تعطيل الاندماج المغاربي، والحفاظ على توازن إقليمي يتخيل النظام الجزائري أنه لا يستقيم إلا بإضعاف جاره الغربي.

غير أن هذه الاستراتيجية لم تحقق تسوية للنزاع، ولم تبن اتحادا مغاربيا، ولم تمنح سكان مخيمات تندوف أفقا طبيعيا للحياة. وحتى العدد المعتمد دوليا يظل رقم تخطيط؛ إذ تقول مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إنها تعمل مع 90 ألفا من الأكثر هشاشة في خمسة مخيمات قرب تندوف، بينما أكدت سابقا أن هذا الرقم يظل تقديريا في انتظار إحصاء شامل. وبعد نصف قرن، يصبح استمرار الغموض جزءا من المشكلة، لا دليلا على نجاح السياسة.

الخطر الحقيقي ليس وراء الحدود

ليست القضية، إذن، أن الجزائر لا تنفق شيئا على شعبها؛ فهي دولة ذات ميزانية ضخمة واستثمارات عمومية واسعة. القضية أن النظام يملك الموارد لكنه يصر على ترتيبها داخل تصور يجعل النفوذ الإقليمي والعقيدة العسكرية والبوليساريو أكثر حضورا من كفاءة الدولة اليومية. وهذا هو المعنى السياسي لكون الجبهة “أغلى” من الجزائر: ليس لأن رقما منشورا يثبت أنها تبتلع ميزانية البلد كلها، بل لأن النظام منحها من الوقت والمال والمؤسسات والعداء ما لم يمنحه لبناء مغرب عربي متكامل ولا لتحصين مجتمعه من أزماته المتكررة.

حين تحترق الغابات ويهرع المسؤول إلى الحديث عن “الأيادي الإجرامية”، يكون من حق الجزائري أن يسأل أولا عن اليد التي وقعت الميزانيات، وحددت الأولويات، وفضلت تمويل صراع بلا أفق على بناء دولة لا تفاجئها النار كل صيف. فالتهديد الأخطر للجزائر ليس المغرب، بل نظام يملك ثروة بلد كبير وما زال يتصرف بعقلية ثكنة محاصرة.