تواصل مديونية الأسر المغربية إثارة التساؤلات بشأن قدرتها على تحمل الأعباء المالية، بعدما كشفت معطيات بنك المغرب عن وصول الديون المتعثرة للأسر إلى 44.7 مليار درهم، ما يعادل 4470 مليار سنتيم، عند نهاية غشت 2026، بارتفاع سنوي نسبته 6.7 في المائة، في وقت تواجه فيه فئات من المقترضين صعوبات مرتبطة بتكاليف المعيشة واستقرار المداخيل.
وتبرز الأرقام الواردة في النشرة الشهرية للظرفية الاقتصادية والنقدية والمالية أن الأسر تمثل نحو 42 في المائة من مجموع الديون المتعثرة لدى البنوك المغربية، بينما وصل معدل التعثر في القروض الموجهة إليها إلى 11 في المائة، مقابل 8.2 في المائة بالنسبة إلى مجموع القروض البنكية، وهو فارق يكشف ارتفاع نسبة القروض غير المنتظمة داخل محفظة تمويل الأسر.
عندما تتحول الأقساط إلى عبء على الأسر
ويطرح ارتفاع الديون المتعثرة إشكالية التوازن بين مداخيل الأسر والتزاماتها الشهرية، خصوصا بالنسبة إلى المقترضين الذين يخصصون جزءا مهما من دخلهم لتسديد أقساط السكن أو قروض الاستهلاك، في ظل استمرار نفقات الغذاء والنقل والخدمات الأساسية ضمن المصاريف التي يصعب الاستغناء عنها.
كما أن صعوبات الاندماج في سوق الشغل، خصوصا لدى الشباب، وعدم انتظام الدخل لدى بعض الفئات المهنية، قد تزيد من هشاشة الوضع المالي للأسر المقترضة، وتجعلها أكثر عرضة للتأخر في أداء الأقساط عند مواجهة مصاريف طارئة أو تراجع في الموارد المالية.
ورغم تسجيل تضخم سلبي خلال شهر غشت، فإن ذلك لا يعني بالضرورة تحسن القدرة الشرائية لجميع الأسر، إذ إن تغير مؤشر الأسعار العام لا ينعكس بصورة متساوية على مختلف النفقات، كما أن الالتزامات البنكية تبقى قائمة بغض النظر عن التحولات الظرفية في أسعار بعض المواد والخدمات.
تعثر الأسر يرتفع أسرع من المعدل البنكي
وسجل إجمالي الديون المتعثرة لدى القطاع البنكي المغربي ارتفاعا إلى 106.5 مليارات درهم، بزيادة سنوية بلغت 3.7 في المائة، مقابل ارتفاع بنسبة 6.7 في المائة بالنسبة إلى الأسر، وهو ما يوضح أن وتيرة نمو التعثر لدى هذه الفئة كانت أعلى من الوتيرة المسجلة على مستوى النظام البنكي ككل.
وتعني هذه المقارنة أن القروض الموجهة للأفراد تستحق متابعة خاصة من زاوية المخاطر المرتبطة بالسداد، دون أن تسمح الأرقام وحدها بتحديد الأسباب المباشرة لكل حالة تعثر، أو الجزم بأن جميع الأسر المقترضة تواجه الصعوبات المالية نفسها.
قروض الاستهلاك والسكن تواصل الارتفاع
وفي موازاة هذه المؤشرات، أظهرت بيانات بنك المغرب استمرار نمو القروض الممنوحة للأسر، إذ بلغ رصيد قروض الاستهلاك 63.5 مليار درهم، مسجلا ارتفاعا سنويا بنسبة 5.1 في المائة، فيما وصلت قروض السكن إلى 259.1 مليار درهم، بزيادة قدرها 2.3 في المائة.
وتبرز هذه الأرقام استمرار اعتماد الأسر على التمويل البنكي لتلبية احتياجاتها المرتبطة بالسكن والاستهلاك، لكنها تكشف في الوقت نفسه عن أهمية القدرة على السداد عند اتخاذ قرار الاقتراض، خصوصا عندما تتزامن الالتزامات الشهرية مع نفقات معيشية متزايدة أو مداخيل غير مستقرة.
ولا يمكن اعتبار نمو القروض في حد ذاته مؤشرا على تدهور الأوضاع المالية للأسر، إذ قد يعكس أيضا توسع الاستفادة من التمويل، غير أن ارتفاع التعثر بالتوازي معه يفرض الانتباه إلى وضعية المقترضين الذين لم يعودوا قادرين على الوفاء بالتزاماتهم وفق الشروط المتفق عليها.
انخفاض الفائدة لا يكفي لتخفيف المديونية
ورغم تراجع متوسط سعر الفائدة على القروض الممنوحة للأفراد إلى 5.59 في المائة خلال الفصل الثاني من سنة 2026، فإن الديون المتعثرة واصلت ارتفاعها، ما يشير إلى أن كلفة الاقتراض ليست العامل الوحيد المؤثر في قدرة الأسر على الوفاء بالتزاماتها المالية.
فالتأثير الفعلي لانخفاض أسعار الفائدة يختلف بحسب طبيعة القروض وشروطها، بينما تظل المداخيل المتاحة للأسر، واستقرار فرص العمل، ومستويات الإنفاق الضروري، عناصر حاسمة في تحديد قدرتها على تسديد الأقساط وتجنب الدخول في وضعية التعثر.
مؤشرات تضع المديونية الأسرية تحت المجهر
وتكشف معطيات بنك المغرب عن اتساع حجم الديون المتعثرة لدى الأسر، في وقت يستمر فيه نمو التمويل البنكي الموجه للاستهلاك والسكن، ما يجعل متابعة جودة القروض وقدرة المقترضين على السداد مسألة مهمة بالنسبة إلى المؤسسات المالية والجهات المعنية بالسياسات الاقتصادية والاجتماعية.
وتبقى تطورات سوق الشغل ومستويات الدخل وتكاليف المعيشة من أبرز العوامل التي يمكن أن تؤثر في مسار المديونية خلال الأشهر المقبلة، بينما تعكس الأرقام الحالية حاجة متزايدة إلى تتبع مخاطر التعثر دون تعميم الصعوبات المسجلة على جميع الأسر المغربية.


