أعاد بيان مجلس مقدمي الطريقة القادرية البودشيشية الخاص بمنير القادري بودشيش الجدل إلى الواجهة، بعدما حاول الرد على موجة الانتقادات التي طالت أنشطة منير القادري بودشيش، غير أن مضمون البيان، بدل أن يحسم النقاش، فتح بابا أوسع للتساؤلات القانونية والدينية، في ظل ما اعتبره متابعون خطابا يجنح نحو التبرير العاطفي أكثر من تقديم أجوبة دقيقة على الإشكالات المثارة.
تناقض بين الخطاب الصوفي والممارسة
وأولى النقاط التي تجاهلها البيان بشكل واضح تتعلق بالفيديو المتداول، والذي يظهر فيه منير القادري في أجواء مختلطة مصحوبة بالموسيقى والغناء، وهو ما يتعارض، وفق عدد من المتابعين، مع صورة “المرشد الروحي” التي تقوم أساسا على القدوة والسلوك المنضبط. فمحاولة إعادة تأطير الواقعة في إطار “دعوة دبلوماسية” أو “مهمة دعوية” لا تعالج جوهر الإشكال، لأن النقاش لم يكن حول مكان الحضور، بل حول طبيعة الصورة والسلوك المرتبط بشخص يقدم نفسه باعتباره “شيخ تربية وسلوك”، وهي صفة تقاس بالفعل لا بالخطاب.
فالطرق الصوفية، بحكم موقعها داخل الحقل الديني، لا تقاس فقط بما يقال في الخطب والندوات، بل بمدى انسجام ممارسات رموزها مع المرجعية الأخلاقية التي تدعو إليها، حيث تظل قاعدة “اجتناب الشبهات” من الثوابت الراسخة في الفقه والتصوف معا، باعتبار أن من يتصدر موقع القدوة مطالب بالابتعاد عن كل ما يثير اللبس قبل البحث عن تبريره بعد وقوعه. والإشكال هنا لا يتعلق بطبيعة النشاط في حد ذاته، بل بالسياق الذي جرى فيه: أجواء احتفالية مختلطة قابلة للتأويل، وهو ما يضع “المرشد الروحي” في منطقة التباس تتعارض مع موقعه الرمزي.
ورغم ذلك، لم يقدم البيان أي توضيح مباشر لهذه النقطة الجوهرية، مكتفيا بتعميم الحديث عن “أنشطة روحية”، في تجاهل واضح للإشكال الحقيقي المرتبط بحدود الاتساق بين الخطاب الصوفي والممارسة الفعلية.
استعمال صورة الملك خارج الضوابط القانونية
ومن أبرز ما أثار الانتقادات، لجوء البيان إلى تبرير استعمال صورة الملك محمد السادس في الملصقات الإشهارية الخاصة بأنشطة الطريقة أو مؤسسة “الملتقى”، عبر خطاب يقوم على محبة المغاربة لملكهم.
غير أن هذا الطرح، من زاوية قانونية، يعد مغالطة صريحة، إذ إن الفصل 179 من القانون الجنائي المغربي يضع حدودا واضحة لحماية الاحترام الواجب للملك، ويمنع أي توظيف لصورته خارج الأطر القانونية المحددة.
محبة الملك، التي لا يجادل فيها أحد، لا تمنح أي جهة حق استغلال صورته في أنشطة ذات طابع خاص أو إشهاري دون ترخيص قانوني واضح.
والدليل الأبرز على ذلك، أن الملصقات الأخيرة المرتبطة بأنشطة منير القادري شهدت حذف صورة الملك، في خطوة تعكس إدراكا متأخرا بعدم قانونية هذا الاستعمال، وهو ما كان يستوجب توضيحا صريحا في البيان بدل اللجوء إلى خطاب عاطفي.
إغلاق مسجد مرخص له يثير شبهة خرق قانوني
وفي محور بالغ الحساسية، كشف البيان اختلالا أكبر حين قدم رواية اعتبرت تبخيسا لقرار رسمي صادر عن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، التي منحت ترخيصا واضحا لإقامة صلاة الجمعة بالمسجد الكبير التابع للزاوية القادرية البودشيشية، ليصبح بموجب ذلك مسجدا جامعا بقرار موقع من وزير الأوقاف أحمد التوفيق. والأهم أن وثيقة رسمية تحصل عليها “آش نيوز” تؤكد هذا المعطى بشكل صريح، ما يضفي على الواقعة طابعا قانونيا لا يقبل التأويل أو الالتفاف.

وتفيد المعطيات المتوفرة بأن عملية الإغلاق تمت بالقوة، مرفوقة بتخريب داخلي للمسجد بدعوى “عدم صلاحيته للصلاة”، دون أي سند تقني أو خبرة معتمدة، بل بناء على تقدير صادر عن شخص مقرب من منير القادري، في تجاوز واضح للمساطر القانونية والمؤسساتية المؤطرة لتدبير الشأن الديني. والأخطر أن لجنة مختلطة حلت لاحقا بعين المكان، ولم تجد ما يبرر هذه الادعاءات، معتبرة أن ما تم الترويج له لا يستند إلى أساس موضوعي قابل للنقاش.
وهذا التطور لا يمكن التعامل معه كخلاف داخلي أو تقدير شخصي، بل يضع الواقعة في صلب المساءلة القانونية، باعتبارها تمس بشكل مباشر بحرية ممارسة الشعائر الدينية، وتتناقض مع التوجيهات الملكية الصريحة التي تؤكد على فتح المساجد في وجه المصلين لا إغلاقها. كما أن قرار إغلاق مسجد جامع دون سند قانوني واضح، وفي تحد لقرار صادر عن وزارة الأوقاف، يطرح شبهة التعدي على اختصاصات جهة رسمية مؤطرة دستوريا تحت إمارة المؤمنين.
وبالتالي، فإن النقطة التي كان يفترض أن يجيب عنها البيان بوضوح لم تكن تبرير الإغلاق، بل تحديد المسؤولية، من اتخذ القرار؟ وبأي سند قانوني؟ ولماذا تم تجاوز مؤسسة الأوقاف المختصة؟ وهي أسئلة تظل قائمة إلى حدود الساعة، وتفتح الباب أمام ضرورة ترتيب الآثار القانونية في واقعة لا تتعلق فقط بمبنى، بل بمرفق ديني يخضع لضوابط سيادية لا يجوز العبث بها.
التصوف يدخل منطقة التسييس
ولم يتطرق البيان كذلك إلى الإشكالات المرتبطة بانخراط منير القادري في ما يسمى بالاتحاد العالمي للطرق الصوفية، وهو كيان يرأسه محمد علاء الدين أبو العزائم، المعروف بخلفيته السياسية وارتباطاته الحزبية ومواقفه الحادة في قضايا إقليمية.
ويضع هذا الارتباط الطريقة في موقع حرج، إذ يتناقض مع طبيعة التصوف المغربي الذي يقوم على الحياد والابتعاد عن التجاذبات السياسية، كما يثير تساؤلات حول مدى انسجام هذه التحركات مع التوجهات الرسمية للدبلوماسية المغربية.
من التصوف إلى “العلامة التجارية”
ومن النقاط الأكثر إثارة للجدل، ما ورد في البيان بخصوص تسجيل اسم الطريقة القادرية البودشيشية كعلامة تجارية في فرنسا، حيث تم تقديم الأمر على أنه مبادرة فردية لحماية الاسم.
غير أن هذا التبرير يطرح عدة تساؤلات جوهرية، أبرزها، هل يحتاج التصوف، القائم على الزهد والتجرد، إلى التحول إلى “براند” تجاري؟ ولماذا تم تسجيل العلامة خارج المغرب وباسم شخص، بدل إطار مؤسساتي واضح؟ وما الضمانات القانونية التي تحول دون استغلال هذه العلامة في أنشطة تجارية أو حتى مشبوهة، خاصة مع إدراج مجالات “كالقمار” لا تمت بصلة للوظيفة الروحية؟ وأين وكيف ستصرف مداخيل هذه العلامة خاصة أنها ستكون بالعملة الصعبة فكيف سيتم استغلالها ولصالح من ؟ هل للشخص المسجل للعلامة أم منير القادري ؟
ويعكس هذا التحول، وفق متابعين، انزياحا خطيرا من الوظيفة الروحية إلى منطق السوق، بما يحمله ذلك من مخاطر على مصداقية الطريقة.
بيان يفتح أكثر مما يغلق
في المحصلة، لم ينجح بيان مجلس مقدمي منير القادري البودشيشي في احتواء الجدل، بل زاد من حدته، بسبب ما اعتبر تجاهلا للأسئلة الجوهرية، واعتماد خطاب تبريري يقوم على العاطفة بدل الحسم القانوني.
ولم تعد القضية مرتبطة بوقائع معزولة، بل تحولت إلى نقاش أوسع حول مستقبل التصوف في المغرب، بين الحفاظ على طابعه الروحي المنضبط تحت إمارة المؤمنين، أو الانزلاق نحو التسييس والتسليع، بما يحمله ذلك من تداعيات على التوازن الديني والوطني.


